أحد الشعانين المبارك والدورة التقليدية في القدس

  • strict warning: Declaration of views_handler_field::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of content_handler_field::element_type() should be compatible with views_handler_field::element_type($none_supported = false, $default_empty = false, $inline = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/cck/includes/views/handlers/content_handler_field.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::options_submit() should be compatible with views_handler::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_sort::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_sort.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::options_validate() should be compatible with views_handler::options_validate($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_filter::query() should be compatible with views_handler::query($group_by = false) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/handlers/views_handler_filter.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_query::options_submit() should be compatible with views_plugin::options_submit($form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_query.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_style_default::options() should be compatible with views_object::options() in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_style_default.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_plugin_row::options_validate() should be compatible with views_plugin::options_validate(&$form, &$form_state) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/plugins/views_plugin_row.inc on line 0.
  • strict warning: Declaration of views_handler_field_user::init() should be compatible with views_handler_field::init(&$view, $options) in /home/abounaor/public_html/sites/all/modules/views/modules/user/views_handler_field_user.inc on line 0.

أحد الشعانين المبارك والدورة التقليدية في القدس

الأب د. لويس حزبون
2019/04/20

نحتفل اليوم بأحد الشعانين حيث يصف لوقا الإنجيلي دخول المسيح بالمجد والانتصار الى اورشليم حيث يدشّن "أسبوع الآلام" مقدمًا حياته عن شعبه (لوقا 19: 28-40). وأسبوع الآلام هو أسبوعٌ مقدّسٌ، لأننا نحتفل فيه بما فعله الربّ يسوع في خميس الأسرار والجمعة العظيمة والعشيّة الفصحيّة من أجلنا خلاصنا. ويبدأ الأسبوع في أحد الشعانين، وكلمة "شعانين" كلمة عبرية “هوشعنا" הושענה مشتقة من جذر سرياني ومعناها "امنح الخلاص"، ومنها اشتقت الكلمة اليونانية ὡσαννά، وكما يقول القديس ايرونيموس "أنها تعني أن مجيء المسيح هو خلاص العالم". ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته

أولا: تحليل وقائع النص الإنجيلي (لوقا 19: 28-40)

28 قالَ هذا ثُمَّ تَقَدَّمَ صاعِداً إِلى أُورَشَليم

تشير عبارة " تَقَدَّمَ صاعِداً " الى تصميم يسوع في صعوده الى اورشليم "ولَمَّا حانَت أَيَّامُ ارتِفاعه، عَزَمَ على الاتِّجاه إِلى أُورَشَليم" (لوقا 9: 51). ومن هذا المنطلق فأن طريق آلامه وصلبه هو ليس مجرد ثمرة لأحقاد الأشرار وتدابيرهم للمقاومة والقتل، إنما هو طريق أعدَّ له الرب نفسه، وسمح به لننال فيه قوة القيامة وبهجتها خلال الصليب؛ فتقدّم بنفسه متَّجهًا نحو أورشليم ليقدّم نفسه فِصحًا عن البشريّة بإرادته. يقدّم جسده ذبيحة حب قادرة أن تقيم من الموت وتهب حياة أبديّة لمن ينعم بها. إنه الكاهن والذبيحة في نفس الوقت الذي يتقدّم إلى الصليب. أمَّا عبارة " أورَشَليم" فتشير في لوقا الإنجيلي مكان صعود ابن الانسان الى مدينة الآلام والصلب والدفن والقيامة تتميما لمشيئة الآب. وهي تدل رمزياً إلى ملكوت الله (اشعيا 65: 17-25).

29 ولمَّا قَرُبَ مِن بَيتَ فاجي وبَيتَ عَنْيا عِندَ الجَبلِ الَّذي يُقالُ لهُ جَبَلُ الزَّيتون، أَرسَلَ اثْنَينِ مِن تَلاميذِه

تشير عبارة "قَرُبَ" الى ان يسوع أراد ان يتمم عمليا قول زكريا النبي "اِبتَهِجي جِدّاً يا بِنتَ صِهْيون وآهتِفي يا بنتَ أُورَشَليم هُوَذا مَلِكُكَ آتِياً إِلَيكِ بارّاً مُخَلِّصاً وَضيعاً راكِباً على حمارٍ وعلى جَحشٍ آبنِ أتان" (زكريا 9: 9-10). أمَّا عبارة "بَيتَ فاجي" فتشير الى اسم ارامي בֵּית־פַּגֵּי ومعناه "بيت التين" وهي قرية صغيرة تقع الى الجنوب الشرقي من جبل الزيتون في القدس (متى 21: 1) كان يسكنها الكهنة ليكونوا قريبين من الهيكل بأورشليم؛ والظاهر ان يسوع المسيح دخلها قبل أن يدخل بيت عنيا، إذ كان آتيا من أريحا الى اورشليم. و"التينة" هي رمز للكنيسة من جهة وحدتها حيث تضم بذورًا كثيرة داخل غلاف الروح القدس. أمَّا عبارة "بَيتَ عَنْيا" فتشير الى اسم ارامي בֵית־הִינִי معناه بيت البؤس او البائس وهي قرية تقع الى الجنوب الشرقي من جبل الزيتون على بعد ثلاث كيلومترات من اورشليم. وتدعى الآن العازرية، لأنها تضم بيت لعازر ومريم ومرثا وهي مبنية على أكَمةٍ صخرية عسرة المسالك، وكان يتردد السيد المسيح اليها مرارا لا سيما في أيامه الأخيرة ليلتقي لعازر واختيه مريم ومرثا الذين عاشوا في هذه القرية وحيث أقام لعازر من القبر (يوحنا 11: 1-44)؛ ولا يزال قبره منحوتا في الصخر هناك. ويعلق القديس أوغسطينوس على القريتين بَيتَ فاجي وبَيتَ عَنْيا "إن رقم 2 يشير إلى المحبة لله والناس، فبفلسين قدمت الأرملة كل حب قلبها في خزانة الرب، وبالدينارين أعلن السامري الصالح أعماق محبته للجريح. ونحن لا نقدر أن نبدأ موكب الصليب ما لم نبدأ بالقريتين، ونلتقي به في موكبه خلال الحب". أما عبارة " جَبَلُ الزَّيتون " فيشير الى الجبل الذي تجاه أورشليم (1 ملوك 11: 7) والجبل الذي على شرقي المدينة (حزقيال 11: 23) وجبل الهلاك (2 ملوك 23: 13). ويفصل هذا الجبل عن أورشليم وادي قدرون (2 صموئيل 15: 14). وقد حسبت المسافة بين أقصى قممه الشمالية وبين أورشليم بسفر سبت (اعمال الرسل 1: 12)، أو كما قال المؤرخ يوسيفوس ست غلوات. وطالما صعد المسيح إليه، وفي وقت نزوله منه قبل الصلب بأيام قليلة استقبلته الجموع بالهتاف والترحيب وكان هو يبكي على المدينة ومصيرها القريب (لوقا 19: 37-44)، وقد تحدَّث من سفح ذلك الجبل عن خراب الهيكل وخراب المدينة (متى 24: 3)، وقبل الفصح الأخير صعد إلى هناك حيث بستان جسمانية في غرب الجبل. وقد كانت بيت عنيا وبيت فاجي في شرقه. ومن قمة جبل الزيتون صعد المسيح إلى السماء (لوقا 24: 50). ويسّمي العرب جبل الزيتون في الوقت الحاضر جبل الطور. وعند أقدام جبل الزيتون وبالقرب من جسمانية يمتد طريق متفرع إلى أربعة فروع: فرع إلى بيت عنيا وأريحا وقد بناه الخليفة عبد الملك بن مروان في القرن السابع الميلادي، والفرع الثاني يتَّجه عبر القمة إلى بيت فاجي وبيت عنيا، أما الفرعان الآخران فيتعرجان كثيراً في طريقهما إلى القمة. ومن وادي قدرون إلى الأردن يمتد طريق روماني قديم. ويعلن ارتباط موكب المسيح في دخوله الى اورشليم بجبل الزيتون عن طبيعة هذا الموكب أنه "موكب مسيحاني كما اكَّد ذلك توقعات اليهود أن مجيء المسيح مرتبط بجبل الزيتون كما كتب المؤرخ اليهودي يوسيفوس. أمَّا عبارة " أَرسَلَ اثْنَينِ مِن تَلاميذِه " في الأصل اليوناني ἀπέστειλεν (معناه أرسل) فتشير الى الإرسالية للأمم ولليهود ويأخذ يسوع دوماً على عاتقه زمام المبادرة. لقد أرسل يسوع التلاميذ سابقا ليعلنوا لجميع الأمم عن الخبر السار المتعلق باقتراب الملكوت " أَرسَلهم ἀπέστειλεν لِيُعلِنوا مَلَكوتَ اللهِ" (لوقا 9: 2). يقوم الآن بإرسال تلميذين تماماً كما سبق وأرسل تلاميذه الاثنين وسبعين، اثنين اثنين (لوقا 10). فإرسال هذين التلميذين يمثلان الكنيسة المرسلة لتعلن للجميع فصح الرب حيث أن إرسالية الرسل ترتبط بإرسالية يسوع: "كما أرسلني الآب، أرسلكم أنا أيضاً" ((يوحنا 20: 21) خاصة عند ظهور المسيح لهم بعد القيامة: "اذهبوا…". فهم يذهبون إذاً ليبشروا بالإنجيل (مرقس 16: 15)، وليتلمذوا جميع الأمم (متى 28: 19)، وليقدّموا شهادتهم في كل مكان (أعمال 1: 8). وبذلك سوف تبلّغ إرسالية الابن فعلاً إلى جميع الناس، بفضل إرسالية رسله وكنيسته بالكرازة بالخلاص خلال العهدين القديم والجديد، في العهد القديم خلال الرموز والظلال، وفي العهد الجديد خلال الحق. أمَّا عبارة " اثْنَينِ " فتشير الى رقم 2 للدلالة على الحب، إذ يجعل الاثنين واحدًا، ولأن الحب جاء في وصيتين: محبة الله ومحبة القريب، لذلك بدأت إرساليته لتلميذين وهو بالقرب من قريتين، أي خلال الحب، الذي بدونه لا ننعم بدخول السيد إلى اورشليم. وفي إرسالية التلاميذ أرسلهم السيد المسيح اثنين اثنين (لوقا 10: 1-10).

30 وقالَ لَهما: اِذهَبا إِلى القَريةِ الَّتي تِجاهَكُما، تَجِدا عِندَما تَدخُلانِها جَحشاً مَربوطاً ما رَكِبَه أَحَدٌ قَطّ، فَحُلاَّ رِباطَه وأْتِيا بِه

تشير عبارة "اِذهَبا إِلى القَريةِ" الى الإرسالية للأمم ولليهود حيث أرسل السيِّد تلميذيْه ليحلاّ باسمه المربوطين، ويدخلاهم بالقلوب إلى أورشليم العُليا؛ اما عبارة "جحش" فتشير الى صغار الحمير، وقد ورد ذكره في بَرَكة يعقوب لابنه يهوذا "رابطٌ بِالجَفْنَةِ جَحشَه وبَأَفضَلِ كَرمةٍ آبنَ حِمارتِه" (تكوين 49: 11)؛ وكان يركب الجحش الشرفاء (قضاة 10: 4). وكان الجحش مطيَّة الآباء (تكوين 49: 11). ولوقا الإنجيلي يلمح هنا الى قول زكريا النبي (زكريا 9: 9)، أي الى دخول الملك، المسيح المنتظر الى اورشليم على جحش، ولا يتم هذه الدخول على جياد الأغنياء والاقوياء، بل على حمار متواضع كما ورد في سفر التكوين (تكوين 49: 11). أمَّا عبارة "مَربوطاً" فتشير الى الآخرين الذين يربطوه ليمتلكوه، أمَّا يسوع يأمر بان يحلِّه. وهي صورة بان السيد المسيح يحلنا ليحفظنا في يده؛ فالنعمة أعظم من القيود. وأن الحلّ أقوى من القيود. ولنبتهل مع القديس أثناسيوس الرسول "لكي يرسل الرب يسوع تلاميذه إلينا فيحلوننا من القيود المكبلين بها جميعًا، إذ بعضنا مقيد بحب الفضة وآخر بقيود الزنا، وآخر بالسكر، وآخر بالظلم ". أمَّا عبارة "ما رَكِبَه أَحَدٌ قَطّ" فيشير الى طبيعة الموكب أنه ديني سماوي روحي إلهي (2 صموئيل 6: 3)، ويعلق العلامة أوريجانوس "أن الأمم لم يسبق لهم عبادة الله الحيّ، ولا تسلموا شريعته، ولا عرفوا مواعيده كما تمتع اليهود، إنهم بلا خبرة روحية وكأنه لم يجلس عليهم أحد". أمَّا عبارة "حُلاَّ رِباطَه وأْتِيا بِه" فتشير الى مشروع ديني روحي (عدد 19: 2)؛ ويعلق القديس باسيليوس الكبير "يليق بنا حتى إن أوكل إلينا أقل الأعمال أن نمارسه بغيرةٍ عظيمةٍ وحبٍ، عالمين أن ما يُصنع بالله ليس تافهًا، بل يقابله ملكوت السماوات".

31 فإِن سأَلَكما سائِل: لِمَ تَحُلاَّنِ رِباطَه؟ فقولا: لأَنَّ الرَّبَّ مُحتاجٌ إِليه

تشير عبارة "الرَّبَّ" الى لقب يطلقه يسوع على نفسه، ولا يَرد إلاَّ في هذا النص الإنجيلي. وبهذا اللقب سمّى المسيحيون الاولون المسيح الذي قام من بين الأموات. في حين ان أسفار العهد القديم جعل لقب "الرب" لله (متى 21: 3-4). وأمَّا للمسيح المنتظر فأطلق لقب الملك. أمَّا عبارة "مُحتاجٌ إِليه" فتشير الى ان صاحب الدابة كان واحداً من أصدقاء يسوع غير المعروفين. ويسوع محتاج إلى البشريّة كلها لا كمن يتعالى عليها، بل كمن هو محتاج إلى قلوب البشرية جمعاء مسكنًا له. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم "أن السيِّد لم يطلب منهما أن يقولا: "ربَّك محتاج إليه"، ولا أن يقولا "ربّنا محتاج إليه"، بل قال "الرب"، وذلك لكي يُدركوا أنه رب البشريّة كلها، حتى الخطأة منتمون إليه، وإن كانوا بكامل حرّيتهم قد اِنتموا إلى الشيطان ".

32 فذَهَبَ المُرْسَلانِ فَوَجَدا كما قالَ لَهما

تشير عبارة "المُرْسَلانِ" الى "شَهادَةُ شاهِديْنِ تَصِحّ" (يوحنا 8: 17)؛ ورقم أثنين يشير لعمل الخير والتجسد "فإِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة" (أفسس 14:2). وبإرسالهما يقوم يسوع اليوم بإرشاد التلاميذ مثلما أرشدهم سابقا. أمَّا عبارة " فَوَجَدا كما قالَ لَهما" فتشير الى التلميذين الذين وجدا كل شيء يجري وفق طلب يسوع المعلم. وينبغي عليهما التحلي بالثقة بأن كلمة المعلم ستتحقق.

33 وبَينَما هُما يَحُلاَّنِ رِباطَ الجَحْش، قالَ لَهما أَصحابُه: لِمَ تَحُلاَّنِ رِباطَ الجَحْش؟

تشير عبارة" هُما يَحُلاَّنِ رِباطَ الجَحْش الى "صورة رمزية للتمتع بالحل من الخطايا خلال السلطان الرسولي، وذلك حسب وصية السيد المسيح وبكلمته. الحلّ هو موهبة إلهية وعطية يقدمها الله نفسه خلال كهنته! ويعلق القديس اثناسيوس" ليتني أكون مثل هذين التلميذين أستطيع أن أفك قيود الحاضرين لأن كل واحد منا مُقيَّد بقيود الخطية". لنبتهل لكي يرسل الرب يسوع تلاميذه إلينا فيحلوننا من القيود المكبلين بها، إذ بعضنا مقيد بحب المال، وآخر بقيود الزنا، وآخر بالسكر، وآخر بالظلم...

34 فقالا: لأَنَّ الرَّبَّ مُحتاجٌ إِليه

تشير عبارة " مُحتاجٌ "الى كلمة رئيسية عند إرسال التلاميذ. وكان على التلاميذ الذهاب وسط الناس كالفقراء المحتاجين من دون أن يحملوا معهم شيئاً (لوقا 9: 3)، وأن يضعوا ثقتهم فيمن يستقبلهم. وقد توقع يسوع رفض الناس لهم احيانا، ولكن هذا لن يعيق مسيرة التلاميذ ومسيرة كلمة الخلاص.

35 فجاءَا بِالجَحْشِ إِلى يسوع، ووضَعا رِدائَيْهما علَيه وأَركَبا يسوع

تشير عبارة "وضَعا رِدائَيْهما علَيه" الى قبول يسوع ان يكون ملكًا كما حدث مع ياهو بن يهوشفاط (2 ملوك 9: 13) او تشير إلى ترشيحه للرئاسة كما جاء في سفر اشعيا "إِنَّ لَكَ رِداءً فكُنْ قائِداً لَنا" (اشعيا 3: 6). ويقول القديس أمبروسيوس "ان الرداء هو رمز للجسد؛ فإذا قدمناه للرب فهو يقبله عطية حب ويقدّسه"؛ أمَّا عبارة "أَركَبا يسوع" فتشير الى تتويج سليمان؛ اذ كما اركب الخدم سليمان الحكيم على بغلة الملك داود ليمسحه صادوق الكاهن ملكا (1 ملوك 1: 33)، كذلك أركب التلميذان يسوع على الجحش لدخول اورشليم ملكاً منتصراً. فيسوع هو ذاك الذي ارتضى أن "افتَقَرَ لأَجْلِكُم وهو الغَنِيُّ لِتَغتَنوا بِفَقْرِه " (2 قورنتس 8: 9)، وهو ذاك الذي اختار الضعف ليعطي القوة لكلّ الذين يصرخون له: ": تَبارَكَ الآتي". ومن خلال هذا المشهد تعرّفت الجماعة المسيحية الأولى إلى ربها الذي هيأ ونظّم بالتفصيل دخوله إلى أورشليم كملك متواضع ووريث لمملكة داود.

36 فَسارَ والنَّاسُ يَبسُطونَ أَردِيَتَهم على الطَّريق

تشير عبارة "أَردِيَتَهم" (مفردها رداء) الى الثوب الخارجي، وهو قطعة مربعة أو مستطيلة من القماش طولها 1.8م تُلف حول الجسد، وإذا مسّت الحاجة تطرح فوق المَنكِب أو تحت الإبط؛ أمَّا في الليل فكانت تستعمل غطاء (خروج 22: 26).

37 ولمَّا قَرُبَ مِن مُنحَدَرِ جَبَلِ الزَّيتون، أَخذَ جَماعَةُ التَّلاميذِ كُلُّها، وقدِ استَولى عَليهِمِ الفَرَح، يُسَبِّحونَ اللهَ بِأعلى أَصواتِهِم على جَميعِ ما شاهَدوا مِنَ المعجِزات

تشير عبارة "استَولى عَليهِمِ الفَرَح" الى ابتهاج التلاميذ وهتافاتهم مثل ابتهاج وهتافات الشعب لما مُسح سليمان ملكا في اورشليم؛ أمَّا عبارة "معجِزات" فتشير الى هتافات لتسبيح الله على أثر المعجزات التي شاهدوها على خطى الرعاة في بيت ساحور "رَجَعَ الرُّعاةُ وهم يُمَجِّدونَ الله ويُسَبِّحونَه على كُلِّ ما سَمِعوا ورَأَوا كَما قيلَ لَهم" (لوقا 2: 20). فالجموع التي كانت تسير وراءه عند دخوله أورشليم كانت قد آمنت به لأنها شاهدت آية قيامة لعازر من الموت. فالمعجزات التي كان يصنعها يسوع كان يجب أن تتحوّل في حياة الذين ما استطاعوا أن يتبعوه إلى آية لكي تصبح دعوة إلى الإيمان لا سيما في الحالات التي تبدو أكثر صعوبة. ونحن كثيراً ما نشبه أيضاً هؤلاء التلاميذ والجموع الذين ساروا وراء يسوع في يوم الشعانين بسبب تلك المعجزات التي كان يصنعها ثمّ انقطعوا عن السير معه عندما سار في طريق الجلجلة والآلام داعيا إياهم لحمل الصليب " مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفسهِ ويَحمِلْ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ ويَتبَعْني" (لوقا 9: 23). وفي هذا الصدد يعلق كتاب الاقتداء بالمسيح " إن ليسوع تبّاعاً كثيرين يرغبون في ملكوته السماوي، أمَّا حاملو صليبه فقليلون...كثيرون يكرّمون معجزاته، أمَّا الذين يتبعونه في عار الصليب فقليلون".

38 فكانوا يَقولون: تَبارَكَ الآتي، المَلِكُ بِاسمِ الرَّبّ! السَّلامُ في السَّماء! والمَجدُ في العُلى!

تشير عبارة "تَبارَكَ الآتي" الى نداءٍ موجّهٍ الى الملك (2 صموئيل 14: 4) يرافقه هزّ الأغصان ويُطلق به خاصة في اليوم السابع من عيد الاكواخ، عيد المظال. وكان الكهنة يستشهدون بهذا الهتاف "تَبارَكَ الآتي، المَلِكُ بِاسمِ الرَّبّ!" ليباركوا رؤساء المواكب الصاعدين الى الهيكل؛ وهذا ينطبّق على يسوع "الآتي" والمُكلف بالرسالة والمُقلّد قدرة الله. ويُعلّق القديس أوغسطينوس على عبارة "تَبارَكَ الآتي بِاسمِ الرَّب" قائلاً: "لنفهم من قوله "باسم الرب" بالأكثر "اسم الله الآب"، وإن كان يمكن أن يُفهم على أنه باسمه هو بكونه الرب (يوحنا 5: 43). أمَّا عبارة " الملك" فتشير الى يسوع "ملك إسرائيل" الذي جاء بشخصه يتمّم الوعود الإلهية لشعبه. بانتصاره على العدو، وسقوط مملكة إبليس لقد جاء حاملاً معه سلام الأزمنة المسيحانية "لا تخافي يا بنت صهيون هوذا ملكك". وهنا نجد يسوع في صورة المسيح المنتظر والملك معاً. ويتجنب لوقا الإنجيلي في هذا النص كلمة "هوشعنا" הוֹשַׁע־נָא ב السامية ومعناها "امنح الخلاص" (مزمور 118: 25)، ولكنه يضيف لقب "ملك" كما يفعل يوحنا الانجيلي (يوحنا 12: 13). والواقع هناك ثلاثة أمور أعطت لدخول السيد أورشليم مفهوما مسيحانيًا: ارتباطه بجبل الزيتون، وإرساله لإحضار جحش، والإشارة إلى مملكة داود. هذه الأمور الثلاثة كشفت عن طبيعة الموكب أنه ليس موكب رجل سياسي وحرب وإنما موكب المسيح المنتظرالمُخلص، موكب الرب نفسه، كما سبق فأنبأ زكريا النبي: (زكريا 14: 4-5)؛ أمَّا عبارة "بِاسمِ الرَّبّ!" فهي مقتبسة من صاحب المزامير "تَبارَكَ الآتي باسم الرَّبِّ (مزمور 118: 25-26) حيث يُذكّر في آلام المسيح وتمجيده (متى 21: 42)؛ يسوع هو الآتي ليفتتح العصر المسيحاني كما اكّد صاحب الرسالة الى العبرانيين "قَليلاً قَليلاً مِنَ الوَقْت فيَأتي الآتي ولا يُبطِئ" (عبرانيين 10: 37)، ويُعلّق القديس أوغسطينوس على قوله "لنفهم من قوله "باسم الرب" بالأكثر "اسم الله الآب"، وإن كان يمكن أن يُفهم على أنه باسمه هو بكونه الرب... لقد قال بنفسه: " جِئتُ أَنا بِاسمِ أَبي، فلَم تَقبَلوني. ولو جاءَكُم آخَرُ بِاسمِ نَفْسِه لَقَبِلتُموه" (يوحنا 5: 43). فإن المعلّم الحقيقي هو المسيح الذي "وضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب"(فيلبي 2: 8)، لكنّه لم يفقد لاهوته بتعليمه التواضع. فبلاهوته هو مساوٍ للآب، وبناسوته هو مشابه لنا نحن. بذاك الذي هو مساوي للآب دعانا إلى الوجود، وبالذي صار به مشابهًا لنا، خلَّصنا من الهلاك". أمَّا عبارة "السَّلامُ في السَّماء! " فتشير الى نشيد الملائكة لدى ميلاد يسوع (لوقا 2: 14)؛ جاء يسوع لإحلال السلام، أمَّا الآن فالتلاميذ هم الذين يُشيدون "بالسلام" الذي يأتيهم من الله، وهم الذين يُمجّدون به الرب، ويؤدّون له تعالى الحمد والتسبيح الواجبين منهم إلى العظمة الالهية (دانيال 5: 23)؛ وكان السلام الأمر الواجب إعلانه عند دخولهم أي بيت: "وأيَّ بَيتٍ دَخَلُتم، فقولوا أوّلاً: السَّلامُ على هذا البَيت" (لوقا 10: 5). ويٌقبل السلام في الايمان (لوقا 1: 79)، أمَّا عبارة "المَجدُ في العُلى " فتشير الى مجد الله كمال صفاته التي بها يفوق الإنسان (رومة 3: 23). ويظهر هذا المجد في وجه يسوع المسيح (2 قورنتس 4: 6)، لذا سُمي المسيح "رب المجد" (2 قورنتس 2: 8)؛ وبهذا المفهوم أصبح "المجد الذي في العُلى " هو انفتاح السماء بأمجادها على الإنسان ليتمجَّد في العُلى. يمكننا أن نقول أيضًا مع القديس أوغسطينوس "أن السماء هي النفس البشرية، فعمل المسيح الفادي ردّ للنفس سلامها الداخلي، وتمتعها بأن ترتفع في العُلى، لتُمجِّد عريسها الأبدي"؛ ولكن اورشليم سترفضه كما تنبأ السيد المسيح "لَيتَكِ عَرَفتِ أَنتِ أَيضاً في هذا اليَومِ طَريقَ السَّلام! ولكِنَّه حُجِبَ عن عَينَيكِ" (لوقا 19: 42). ويعلن يسوع ذلك المجد عند دخوله القدس. ولا يقوم بإعلان ذلك فحسب بل ويدفع الثمن بحياته، بهدف تمجيد الله وخلاص الإنسان. ويبقى على الكنيسة أن تعلن عن هذا السلام الذي استحقه السيد المسيح بدمه.

39 فقالَ له بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ مِنَ الجَمْع: يا مُعَلِّمُ انتَهِرْ تَلاميذَكَ!

تشير عبارة " بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ " الى عدم تقبل يسوع بَعضُ الفِرِّيسيِّينَ كما تؤكد ذلك رواية الآلام. اما عبارة " يا مُعَلِّمُ انتَهِرْ تَلاميذَكَ!" فتشير الى استشاط غيظ الفريسيين أمام حماس الجموع التي سارت وراءه بعد أن شاهدت آية قيامة لعازر من الموت.

40 فأجابَ: أقولُ لَكم: لو سَكَتَ هؤلاء، لَهَتَفَتِ الحِجارَة!

تشير " لَهَتَفَتِ الحِجارَة!" الى صراخ الحجارة شاهدة لمملكة يسوع، فاهتزَّت حجارة اورشليم لدى دخول يسوع اليها، كما اهتزت عند بلوغ خبر ولادته (متى 2: 3). وهذ الامر يدلّ على ان حياة يسوع حدث علني يهمّ جميع الناس. وسيتردد صدى هذا الإعلان للوصول إلى قلب الإنسان ولن يتمكن الموت من إسكات هذا الصوت. ويعلق القديس أمبروسيوس "أن قول السيد تحقق أيضًا حرفيًا عندما سكت اليهود عن تسبيحه وتمجيده في لحظات الصلب، فقد نطقت الحجارة فعلًا، إذ حدثت زلزلة والصخور تشققت والقبور انفتحت".

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (يوحنا 8: 1-11)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (لوقا 19: 28-40) نستنتج انه يتمحور حول دخول يسوع الى أورشليم منتصرا تحقيقا الى نبوءة (زكريا 9: 9). ومن هنا نتناول ثلاث نقاط وهي: تهيئة الدخول الى اورشليم، ثم الدخول الى اورشليم، وأخيراً رد فعل الناس لدخول المسيح الى اورشليم.

1) تهيئة الدخول الى اورشليم (لوقا 19: 28-31)

بدأ يسوع يستعد لدخول اورشليم منذ اقتربت أيام موته "ولَمَّا حانَت أَيَّامُ ارتِفاعه، عَزَمَ على الاتِّجاهِ إِلى أُورَشَليم" (لوقا 9: 51). ثُمَّ أكد يسوع هذا الاستعداد بتَقَدَّمَه صاعِداً إِلى أُورَشَليم ليبذل حياته فدية عن الكثيرين، من خلال آلامه وموته. ولم تكن دخول يسوع الى اورشليم خطة بشرية، إنما هو طريق يَعُّد له الرب نفسه؛ قصد يسوع ان يقدِّم نفسه في اورشليم، العاصمة الروحية بوصفه المسيح المنتظر في موكب شعبي بترتيب خاص:

في يوم الاحد في بداية الأسبوع، وكان الاحتفال بعيد الفصح العظيم على وشك ان يبدأ، وكان اليهود يأتون من جميع جهات العالم الروماني طيلة هذا الأسبوع للاحتفال بذكرى الخروج من مصر (خروج 13) وكان الكثيرون بين الجموع قد سمعوا عن يسوع او رأوه وكانوا يتمنون ان يأتي الى الهيكل (يوحنا 11: 55-57).

فانطلق من اريحا مروراً ببيت عنيا وبيت فاجي الواقعتين في الجنوب الشرقي من جبل الزيتون. ومن بيت فاجي أرسل يسوع تلميذين يسبقانه كما سيفعل في العشاء الأخير (متى 26: 18). وأن ارتباط الموكب بجبل الزيتون يعلن عن طبيعة هذا الموكب أنه "موكب مسيحاني" كما كانت توقعات اليهود التي أكدها المؤرخ اليهودي يوسيفوس في أكثر من موضع. وإرسال التلميذين لإحضار الجحش يدل على خطة مقصودة من جانبه، خاصة ان الجحش "ما رَكِبَه أَحَدٌ قَطّ " (لوقا 19: 30) يُعلن عن طبيعة الموكب أنه ديني سماوي روحي إلهي (2 صموئيل 6: 3).

يستعدُّ يسوع لدخول المدينة بالطريقة التي يجيء به المسيح المنتظر كما أعلنها زكريا النبي (زكريا 9: 9). جاءَ إذاً طوعًا وتوجَّهَ إلى اورشليم، هو الذي انحدرَ من السماواتِ من أجلِنا، ليرفعَنا معه، إلى "السَّمَاوَاتِ العُلَى، فَوقَ كُلِّ صَاحِبِ رِئَاسَةٍ وَسُلطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَفَوقَ كُلِّ اسمٍ يُسَمَّى بِهِ مَخلُوقٌ" (أفسس 1: 21).

2) الدخول الى اورشليم (لوقا 19: 32-36)

دخل يسوع الى اورشليم في زمن يجتمع فيه كل اليهود في عيد الفصح في الهيكل الذي يمكن للجموع الغفيرة ان تراه فيه. دخل يسوع الى اورشليم راكبا جحشا وهو تأكيدٌ على انه المسيح الملك المنتظر واثبات لتواضعه. دخل يسوع الى اورشليم أولا كملك:

كما دخل سليمان ملكا الى اورشليم كذلك دخل يسوع كملك الى اورشليم (1 ملوك 38: 40). ولأول مرة دخلها باستقبال رسمي وحفاوة لا مثيل. دخلها راكبا على الجحش بالإجلال اللائق بالملك، تحقيقا لنبوءة زكريا النبي "اِبتَهِجي جِدّاً يا بِنتَ صِهْيون وآهتِفي يا بنتَ أُورَشَليم هُوَذا مَلِكُكَ آتِياً إِلَيكِ بارّاً مُخَلِّصاً وَضيعاً راكِباً على حمارٍ وعلى جَحشٍ آبنِ أتان" (زكريا 9: 9)؛ ويُعلق يوحنا الذهبي الفم بقوله "جاء يسوع وديعًا حتى لا تهابوا عظمته، بل تُحبُّون رقَّتِه. لا يأتي جالسًا على مركبة ذهبيَّة، ولا ملتحفًا بالأرجوان، ولا راكبًا على فرس ناري، كمن يشتاق إلى الخصام والصراع، وإنما يأتي على أتان صديقًا للهدوء والسلام".

واستقبل الشعب يسوع بحفاوة وتبجيل حاملين أغصان النخل التي هي علامة النصر تماماً كما يستقبلون كل ملكٍ، ملكٍ بشري. وأغصان الزيتون التي هي علامة السلام، حملوها في استقبال ملك السلام، وكلهم يهتفوا، الأطفال والكبار والصغار: "مبارك الآتي باسم الرب". دخل كربٍ الى اورشليم وهذا ما أكَّده يسوع بكلامه الى التلميذين الذين أرسلهما الى بيت فاجي "فإِن سأَلَكما سائِل: لِمَ تَحُلاَّنِ رِباطَه؟ فقولا: لأَنَّ الرَّبَّ مُحتاجٌ إِليه". دخل "باسم الرب" بقوّة محبّته الإلهيّة يغفر خطايانا ويصالحنا مع الآب ومع أنفسنا.

ولم يدخل إلى المدينة المقدسة ليحصل على التشريفات الخاصة بالملوك الأرضيين، إنما دخل إلى أورشليم لكي يُكلَّل بإكليل الشوك، ويصعد جبل الجلجلة حاملا خشبة الصليب ليموت فوقها، فعرشه الملوكي هو خشبة الصليب! وبها هزم الشر كما سبق وأعلن النبي أشعيا (أشعيا 50، 6).

لم يدخل يسوع الى اورشليم تأكيداً على انه المسيح الملك فحسب، إنما ايضا إثبات لتواضعه. قد اظهر المسيح تواضعه كما اظهر الملوك الاولون لما رفض ان يركب فرسا إنما ركب جحشا في دخوله الانتصاري الى اورشليم (زكريا 9: 9). فدخل يسوع الى المدينة المقدسة، لا كملك حربي، بل كملك متواضعٍ ومسالمٍ. وعبّر بولس الرسول معنى التواضع بفعلين: "تجرّد من ذاته" و"وضع نفسه" (فيلبي 2: 7، 8). يسوع تجرّد من ذاته: أي تخلّى عن مجد ابن الله وأصبح ابن الإنسان، ليتّحد معنا، نحن الخطأة، هو الذي بدون خطيئة. ولم يكتفِ بهذا، بل عاش معنا في "صورة العبد" أي لا صورة ملك أو أمير، وإنما صورة عبد. وأهم العلامات لهذا التواضع هي غسل الأرجل. "الرب والمعلّم" انحني إلى أقدام تلاميذه ليغسل ارجلهم كما كان يفعل الخدم (يوحنا 13: 14)، وبِيع أيضا بثلاثين من الفضّة وتعرّض للخيانة بقبلة من تلميذه يهوذا، وأنكرّه بطرس ثلاث مرّات، وشُتم وبُصق عليه، وعانى من الضربات والجلد وإكليل الشوك والحكم الظالم. واختبر يسوع بنفسه اللامبالاة أيضًا، لأن لا أحد يريد أن يتحمّل مسؤوليّة مصيره. ووصل إلى موت الصليب، الميتة الأكثر ألمًا وإذلالاً المخصَّصة للخونة والعبيد وأكبر المجرمين. وفي ذروة التجرُّد أُظهر الوجه الحقيقي لله الذي هو رحمة. فغفر لصالبيه، وفتح أبواب الفردوس للص التائب ولمس قلب قائد المائة. وأخذ على عاتقه ألمنا ليخلّصنا، حاملاً النور إلى الظلمات والحياة إلى الموت والحب إلى الكراهية. وأصبح الصليب انتصارًا.

3) هدف دخول يسوع الى اورشليم

ان دخول يسوع رسميا الى اورشليم له اهداف عدة واهمها:

- تدشين أسبوع الالام: دخل يسوع احتفاليا الى اورشليم لكي يدشّن "اسبوع الآلام". في مثل هذا اليوم توجّه يسوع إلى مصيره: "فَابنُ الإِنسانِ يُسلَمُ إِلى عُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة، فيَحكُمونَ علَيه بِالمَوت، ويُسلِمونَه إِلى الوَثَنِيِّين، فَيسخَرونَ مِنه، ويَبصُقونَ علَيه ويَجلِدونَه ويَقتُلونَه، وبَعدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَقوم" (مرقس10: 32-34). ولذلك فإننا نبدأ اليوم مسيرة آلام سيدنا يسوع المسيح التي قِمَّتُها يوم الجمعة العظيمة على الجلجلة، ولكن نهايتها القيامة في أحد الفصح.

- تتميم النبوءات: دخل يسوع احتفاليا الى اورشليم ليتمم نبوءات الانبياء: اشعيا وزكريا. وصَل يسوع إِلى بَيتَ فاجي ومن هناك توجّه الى اورشليم راكبا على أتان تأكيداً على انه المسيح الملك الوديع تحقيقا لنبوات اشعيا "قولوا لابنَةِ صِهْيون: هُوَذا خَلاصُكِ آتٍ هُوَذا جَزاؤُه معَه وأُجرَتُه أَمامَه" (أشعيا 62: 11) ولتحقيق نبوءة زكريا القائل "اِبتَهِجي جِدّاً يا بِنتَ صِهْيون وآهتِفي يا بنتَ أُورَشَليم هُوَذا مَلِكُكَ آتِياً إِلَيكِ بارّاً مُخَلِّصاً وَضيعاً راكِباً على حمارٍ وعلى جَحشٍ آبنِ أتان" (زكريا 9 :9). والجموع يتكلمون عن عودة مملكة داود (2 صموئيل 7: 12-14) بهتافهم: "تَبارَكَتِ المَملَكَةُ الآتِيَة، مَملَكةُ أَبينا داود" (مرقس 11: 10).

- اعلان المسيح المنتظر: دخل يسوع احتفالياً الى اورشليم ايضا ليؤكد انه المسيح المنتظر حيث كانت الساعة تقترب. فدخل اورشليم ليحقق ما سبق وأعلنه أكير من مرة أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم. دخلَ القدس لا كمُحتَلٍّ مظفَّرٍ مكلَّلٍ بالمجدِ وبالأُبّهة، بل وديعًا متواضعًا. دخل راكبا على أتان، مطية الآباء (تكوين 49: 11) لا مطيّة الاقوياء والاغنياء والمقتدرين. تخلى المسيح عن مظاهر أبهة الملوك (ارميا 17/25). وفرشوا له الناس ارديتهم واغصان الزيتون على الطريق كما يفعلون للملوك مُعترفين بمجد الرب يسوع وهاتفين: "هُوشَعْنا لابنِ داود! هوشعنا" تَباركَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ!" (2صموئيل 7: 1).

- افتتاح العهد المسيحاني: دخل يسوع الى اورشليم اخيراً ليفتتح العهد المسيحاني وذلك بتقريب جسده ذبيحة على الصليب في القدس "فيَأتي الآتي ولا يُبطِئ" (عبرانيين10: 37) ليقرّب ذَبيحَة كَفَّارةٍ لِلخَطايا (عبرانيين 10: 12). وهناك ثلاثة أمور أعطت لدخول السيد أورشليم بُعداً مسيحانيًا: ارتباطه بجبل الزيتون، وإرساله لإحضار جحش، والإشارة إلى مملكة داود. هذه الأمور الثلاثة كشفت عن طبيعة الموكب أنه ليس موكب رجل حرب وإنما موكب المسيح المخلص، موكب الرب نفسه، كما سبق فأنبأ زكريا النبي " تَقِفُ قَدَماه في ذلك اليَومِ على جَبَلِ الزَّيتونِ الَّذي قُبالَةَ أُورَشَليمَ إِلى الشَّرق، فيَنشَقُّ جَبَلُ الزَّيتونِ مِن نِصفِه نَحوَ الشَّرْقِ ونَحوَ الغَرْبِ وادِياً عَظيماً جِدّاً... يأتي الرَّبُّ إِلهي وجَميعُ القِديسينَ معَه" (زكريا 14: 4-5).

- استباق للنّصر الأخير: دخل يسوع اورشليم وهو استباق للنصر الأخير الذي سيتمّمه الرّب في مجيئه الثّاني الأخير كما تنبا يوحنا "رَأَيتُ بَعدَ ذلِكَ جَمعًا كَثيرًا لا يَستَطيعُ أَحَدٌ أَن يُحصِيَه، مِن كُلِّ أُمَّةٍ وقَبيلَةٍ وشَعبٍ ولِسان، وكانوا قائمينَ أَمامَ العَرشِ وأَمامَ الحَمَل، لابِسينَ حُلَلاً بَيضاء، بِأَيديهم سَعَفُ النَّخلِ، وهم يَصيحونَ بِأَعلى أَصْواتِهم فيَقولون: الخَلاصُ لإِلهِنا الجالِسِ على العَرشِ ولِلحَمَل! "(رؤيا 7، 9-10). لقد دخل السيد المسيح الى اورشليم ليقود موكب الصليب بنفسه، وبه صرنا قريبين من اورشليم السماوية، ملكوته السماوي، لندخل به فيها، قائلين مع الرسول: "الشُّكرُ للهِ الَّذي يَسْتَصْحِبُنا دائِمًا أَبَدًا في نَصرِه بِالمَسيح. ويَنشُرُ بِأَيدينا في كُلِّ مَكانٍ شذا مَعرِفَتِه" (2 قورنتس 2: 14).

4) رد فعل الناس لدخول يسوع الى اورشليم (لوقا 19: 37-40)

أ) رد فعل التلاميذ والجموع : مع دخول يسوع الى اورشليم بدأت كل نبوة تتحقق ومنها نبوءة إعلان الانتصار بمسمع ومرأى قادة اليهود الروحيين. فاختلف رد فعل التلاميذ عن الفريسيين. احتفل التلاميذ والشعب بمهرجان مهيب هاتفين مع صاحب المزمور "تَبارَكَ الآتي باْسمِ الرَّبِّ نُبارِكُكم مِن بَيتِ الرَّبِّ. الرَّبّ هو اللهُ وقد أَنارَنا فرُصُّوا المَواكِبَ والأغْصانُ في أَيديكم حتَّى قُرونِ المَذبَح" (مزمور 26:118). وقد هتفوا بفرح وابتهاج "السَّلامُ في السَّماء! والمَجدُ في العُلى السَّلامُ في السَّماء! كما أشاد الملائكة لدى ميلاد يسوع (لوقا 2: 14). أشاد التلاميذ ي "بالسلام" الذي يأتيهم من الله، ومجّدوا به الرب، وتقبلوا سلام المسيح في الايمان (لوقا 1: 97). إنهم كانوا يُتمِّمون نبوءة زكريا (9: 9) ويتكلمون عن عودة مملكة داود في المسيح يسوع (2 صموئيل 7: 12-14). وفي هذا الصدد يقول القديس كيرلس الكبير "سبح التلاميذ السيد المسيح مخلص الكل ودعوه الملك والرب وسلام السماء والأرض. ليتنا نحن أيضًا نسبحه كما بقيثارة المرتل، قائلين: ما أعظم أعمالك يا رب، بحكمة صنعتها! (مزمور 104: 24). ويُعلق يوحنا الإنجيلي على دخول السيد المسيح الى اورشليم بقوله "هذهِ الأَشياءُ لم يَفهَمْها تَلاميذُه أَوَّلَ الأَمرِ، ولَكِنَّهم تَذَكَّروا، بَعدَما مُجِّدَ يسوع، أَنَّها فيهِ كُتِبَت، وأَنَّها هي نَفسُها لَه صُنِعَت" (يوحنا 12: 16).

ب) رد فعل الفريسيين: اعتبر الفريسيون كلمات الجموع والتلاميذ كلمات تجديف وتحريض، فلم يعلنوا إيمانهم للرب ورفضوا واحتجوا على هتاف التلاميذ كما فعل عظماء الكهنة والكتبة (متى 21: 15-16)، وطلبوا من يسوع ان يضع حداً لهتافاتهم (لوقا 19: 37-40)، لأنهم كانوا يعترفون بملوكية المسيح. فأجابهم يسوع "لو سَكَتَ هؤلاء، لَهَتَفَتِ الحِجارَة!"(لوقا 19: 40) لنطقت الأرض كلها بمجد الملك السماوي، ملك السلام الآتي باسم الرب، الآتي ليخلص البشر؛ لا شيء يمنع اورشليم من الهتاف ليسوع، بل إن الحجارة اورشليم تهتف شاهدة لمملكته كما تنبا يوما النبي حبقوق "فالحَجَرُ يَصرُخُ مِنَ الحائِط" (حبقوق 2: 11). لقد "هتفت الحجارة" (لوقا 19: 40)، وهذه يعني ان المسيح كان مُدرك صفته الملوكية، إنه ملك اورشليم، ملك العالم ومملكة ثابتة "يُوليه الرَّبُّ الإِلهُ عَرشَ أَبيه داود، ويَملِكُ على بَيتِ يَعقوبَ أَبَدَ الدَّهر، وَلَن يَكونَ لِمُلكِه نِهاية" (لوقا 1: 32-33). أنه يوم انتصار النور على الظلام.

5) دورة أحد الشعانين التقليدية

في القرن الرابع كان يحتفل بدورة أحد الشعانين بنفس الطريقة التي يحتفل به في يومنا هذا فكتبت أيجيريا في يومياتها: "في الأحد الذي يفتتح الأسبوع المقدّس… يصعد الشعب إلى جبل الزيتون… وعند الساعة الحادية عشرة (أي الساعة الخامسة من بعد الظهر) تتم قراءة المقطع الانجيلي (لوقا 19: 28-40) ثم تبدأ المسيرة من قمة جبل الزيتون، حتى كنيسة القيامة".

انطلقت الدورة في القرن التاسع من مكان أبعد كما كتب الحاج الراهب ابيفانوس "على بعد ما يقارب الميل (من مكان الصعود) نجد المكان الذي فيه جلس يسوع على الجحش. ويوجد هناك شجرة زيتون، يؤخذ منها في كل عام غصن، بعد أن يدفع الثمن؛ وهكذا يدخل المشارك في الدورة إلى أورشليم في يوم الشعانين". وفي هذا المكان ذكر وجود كنيسة من القرن الرابع، ذكرى لقاء يسوع مع أختي لعازر، مرثا ومريم، على طريق بيت عنيا.

وفي القرن الثاني عشر وبالتحديد عام 1187 على أثر انهزام الصلبيين على يد صلاح الدين الايوبي توقفت دورة الشعانين. ولكن الآباء الفرنسيسكان أعادوها في الفترة ما بين القرنين 16-17، والتي كان يجلس خلالها حارس الأراضي المقدسة على جحش.

ومنذ العام 1933 استطاعت الدورة أن تأخذ من جديد شكلها الاحتفالي، وعلى رأسها بطريرك اللاتين الاورشليمي تنطلق من مزار بيت فاجي؛ إذ عثر في عام 1870، أحد الفلاحين على حجر منحوت وقد رسم عليه رسومات من العصر الصليبي، تمثل حادثتي، قيامة لعازر ودخول يسوع الانتصاري إلى القدس. فتم َّ شراء الأرض وإنشاء في عام 1883 مزاراً صغيراً، وقد تم ترميمه وإعطاءه الشكل الذي هو عليه اليوم في عام 1954.

أمَّا في أيامنا تسير الدورة الاحتفالية في أحد الشعانين تحت رعاية بطريرك القدس للاتين، ويحمل المشتركون سعف النخيل او أغصان الزيتون وهم ينشدون الترانيم الروحية التي تُشيد بيسوع الملك. وتنطلق الدورة من كنيسة "بيت فاجي في الطور، الى الجسمانية مروراً بباب الاسباط وصولاً الى كنسية القديسة حنة المعروفة ب “الصلاحية" حيث يختم البطريرك الدورة بإعطاء البركة للمشتركين من خلال القربان الاقدس.

وعند نهاية الدورة الدينية تنطلق المجموعات الكشفية بمسيرة في شوارع القدس، مرورا بطريق "ستنا مريم" والمتحف الفلسطيني (روكفلر)، ثم باب الساهرة وساحة باب العمود وصولا الى ساحة دير اللاتين عند الإباء الفرنسيسكان. وقد أصبحت دورة أحد الشعانين مهرجان إيمان بالمسيح الملك والمخلص "كَيما تَجثُوَ لاسمِ يسوع كُلُّ رُكبَةٍ في السَّمَواتِ وفي الأَرْضِ وتَحتَ الأَرض ويَشهَدَ كُلُّ لِسانٍ أَنَّ يسوعَ المسيحَ هو الرَّبّ تَمْجيدًا للهِ الآب" (فيلبي 2: 10-11).

الخلاصة

هلمّوا ْنصعَدْ معًا جبلَ الزيتونِ لملاقاةِ المسيحِ العائدِ اليومَ من بيتَ عنيا متقدّمًا إلى يومِ آلامِه المكرَّمة، وقد جاءَ طوعًا ليتحملَّها ويُتمِّمَ سرَّ خلاصِنا. نحن نؤمن أن المسيح ابن الله يدخل اليوم بالمجد في قلوبنا وفي شعبنا وأطفالنا وعائلاتنا وعلى أرضنا. يدخل كمخلص ويفتدينا بموته وقيامته. هذا هو الإيمان الذي أعلنه آباؤنا وأجدادنا على مدى مئات السنوات، ونحن اليوم نعلن هذا الإيمان.

لنُسرِعْ ولْنُقبِلْ معًا إلى المسيح الملك الُمقبِلِ إلى الآلام، ولْنقتَدِ بالجموعِ التي أسرعَتْ لملاقاتِه، لا بحملِ أغصانِ الزيتونِ أو سَعَفِ النخلِ، ولا بفرشِ الثيابِ أمامَه على الطريق، بل نسجدُ له بأنفسِنا، بكلِّ قِوانا وإرادتِنا، ونستقبلُ الكلمةَ بروحٍ منسحقةٍ وبنِيَّةٍ مستقيمةٍ وبعزمٍ ثابت، فنصلُ إلى الله الذي لا يمكنُ الوصولُ إليه.

فلْنَفرُش نحن للمسيحِ لا ثيابًا وأغصانًا جافَّةً، بل لنلبِسْ نعمتَه أي ليَكُنْ هو نفسُه بكاملِه رداءً لنا: "لأنّكم لمّا اعتمَدْتم بالمسيحِ لبِسْتُم المسيح" (غلاطية 3: 27). فبدَلَ إلقاءِ الثيابِ أمامَه، لِنُلقِ بأنفسِنا أمامَ قدمَيْه ساجدِين. ولْنردِّدْ نحن أيضًا مع التلاميذ، في كلِّ يومٍ من الأسبوع المقدس، هتافَهم المقدَّس، فيما تهتزُّ أغصانُ أنفسِنا وأرواحِنا: "مُبَارَكٌ الآتِي بِاسمِ الرَّبِّ".

نحن مدعوون اليوم ان نختار نفس الدرب الذي سار عليه يسوع: درب الخدمة والعطاء ونكران الذات والتواضع. لنوجّه أنظارنا إليه ونطلب منه النعمة لنفهم شيئًا من سرّ تجرُّده لأجلنا؛ ولنتأمّل بصمت سرّ أسبوع الآلام.

دعاء

"إمنحنا، أيّها الآب الرحيم، نعمة اتّباع ابنك حتّى في ساعة الصليب، كي نُشاركه في الحياةّ الّتي تدخلنا فيها قيامته. يا مريم أمّي، يا أمّ الأوجاع، علّمينا تحمّل أوجاعنا وآلامنا من أجل خلاصنا وخلاص كلّ من وضعهم الربّ في حياتنا مرددين دعاء بولس الرسول " الشُّكرُ للهِ الَّذي يَسْتَصْحِبُنا دائِمًا أَبَدًا في نَصرِه بِالمَسيح. ويَنشُرُ بِأَيدينا في كُلِّ مَكانٍ شذا مَعرِفَتِه " (2 قورنتس 2: 14).

علق عن طريق الفيس بوك علق عن طريق الموقع

التعليقات

أرسل تعليقا

لن يظهر للقراء