موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٢ مارس / آذار ٢٠٢٠

وأضاء وجهه كالشمس

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
لقد خلقتنا لك يا رب ولن يستريح قلبنا إلا فيك!

لقد خلقتنا لك يا رب ولن يستريح قلبنا إلا فيك!

 

عظة الأحد الثاني من الصوم

 

هناك ترنيمة يغنيها الألمان ليوم عيد ميلاد شخص ما، تبدأ بالكلمات: يوم جميل كهذا لا يجوز له أن ينتهي. وأظن أنّ هذا ما عناه بطرس حتى ولو كان يهذي. فقد عاش منظرا جميلا يريد أن يبقى في المكان الذي شاهده فيه وإلى آخر حياته. يوم جميل كهذا لا يجوز له أن ينتهي. يوم فرح كهذا لا يجوز أن نحزن فيه. هذه لحظة لا يجوز أن تختفي، أن تنتهي، أو تُنسى، نعم هذا ما تمنّاه بطرس، ألا تغيب هذه الجظة البراقة عن عينه ومن ذاكرته.

 

زمن الصيام يذكرنا بالآلام أكثر منه بالفرح، لكن أحد اليوم، الثاني من الزمن الأربعيني، فهو يُزيل من عقولناُ كلَّ ما يمت للحزن والألم بصلة ويضع نصب أعيننا مسيحا ممجّدا، لا يستطيع قلمٌ وصفَه بالكلام، بل بمشابهة حيث سمعنا: وأضاء وجهه كالشمس وثيابه صارت بيضاء كالثلج. نعم من وراء طبيعته البشرية، المشابِه لطبيعتنا في كل شيء، ما عدا الخطيئة، يُظهر يسوع اليوم، ولبعض اللحظات طبيعته الإلهية، بما نسميه لحظة التجلي. ومن خلف هذا المنطر، يؤكد صوت الله من جديد، بعد ما أكّده بعد العماد، نفسَ الكلام: هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا" (متى17: 5).

 

من مُدةٍ لأخرى، يجري أستفتاءٌ في العالم حول أقوى شخصية عرفها أو يعرفها التاريخ. فنادرا ما تأتي شخصية، كاملةُ الصّفات المطلوبة قبل يسوع بل دائما هو الذي يتصدر اللائحة من جميع نواحيها. فتعليمه أرقى تعليم وحياته أقدس حياة إنسان عاش على الأرض، وبالتاّلي هو أكبر شخصيّة معروفة في التاريخ. وعلى الرغم من ذلك يبقى السؤال يُطرَحُ دائما من جديد: من هو هذا المدعو، يسوع المسيح؟

 

من مشاهد التجلّي هذه ، نتعرّف شيئا فشيئا على هذا الشخص الفريد، ونتقابل وإيإه في الإنجيل، وإذا به، هو ابن الله. من رأني فقد رأى الآب. وإن النصوص المختارة لزمن الصوم، تؤكد لنا، أنه فعلا المخلّصُ المنصوصُ عليه والمنتظر. وعلى الرغم من ذلك، فإن أصعب من يُعطي الجواب عنه، هم الذين سمعوه ولمسوه وشاهدوه. فلما سألهم : من أنا لكم؟ قد صمتوا كلهم.

 

والآن، ما هو أحسن مكان نتعرّف فيه على المدعو يسوع؟ هو طبعا الكنيسة إذ كلُّ صلواتها والنصوص المعيّنة للزمن هذا، تحثنا على المقابلة معه، مثل مقابلة التلاميذ اليوم معه، على جبل التجلّي. وبالتالي إن كلَّ ما آمن به هؤلاء وكلَّ ما اكتشفوه عنه، وما آمنت به الكنيسة منذ البداية، قد سلّموه لنا: إني تسلّمت من الرّب ما قد سلمته إليكم. لقد آمنوا واكتشفوا في يسوع هذا، أن الله ليس فقط قريبا إلى العالم بل هو في العالم وبينهم: لا تخافوا فها أنا معكم كلَّ الأيام إلى مدى الدّهر. ومشهد التجلي اليوم، يُزيح الستار جانبا عمّا كان مخفيّا لعيونهم "وهو الّذي ما رأته عين ولا سمعت به أُذنٌ ولم يخطر على بال إنسان، ما أعدّه الله للذين يحبونه"(1كور 2. 9) نعم، اليوم سمح لهم أن يشاهدوه على حقيقته. فعالم بدون الله غير ممكن، لا لهم ولا لنا، إذ عالمنا هو ليس حصيلة ساحر غائبٍ عنه، بل هو بحاجة لعنايةٍ متواصلةٍ تُنَظِّمه وترعاه، بل تخلصه مما حلّ به من دمار وخراب في بدايته. هذا هو الإيمان الذي أوصله لنا التلاميذ، الذين شاهدوا قدرته في حادث التجلي.

 

فبماذا نؤمن نحن اليوم؟ هل هناك من مكان في قلبنا للإيمان بهذا الإله المحب والمخلّص. التلاميذ رافقوه وسمعوا كل أقواله وعجائبه، كما وشاهدوا حنانه واعتنائه بالضعفاء والخطأه، إذ لهؤلاء هو أتى. هذا، ولكي يبقى قريبا منا فقد دفعته محبته لتأسيس الأسرار التي تربطه بنا، بل تربطنا نحن به. فما هو إيماننا بمفعولِ هذه الأسرار؟ هل نشعر بحاجتها لتقوية ارتباطنا وإيماننا بالله؟ والواقع أن إيماننا أصبح جافّاً ومتحفِّضاً، بل عاد آخر ون يجدونه لا يناسب الوقت المعاصر، مثلا في موضوع حماية الحياة من بدايتها إلى نهايتها، أو في مواضيع أخرى، كوظيفة المرأة في الكنيسة أو العزوبية للكهنة، فلا يفهمون لِما الإيمان يمنع من ممارسة أشياء تخطر على بالهم هم، فهم يفتكرون أن الكنيسة كحزب سياسي، يجب أن تُغيِّر تعليمها وتفكيرها لأنه لا يُلائِم أفكارهم، كأنّ ما تبشر به الكنيسة هو تعليمها الخاص. الكنيسة مسؤولة عن وديعة لا يجوز التلاعب بها. إنَّ الذي أوكلها عليها هو نفسُه كما قال: إن الكلمة التي أتكلم بها هي من أبي. فما ينقصنا اليوم فهو الإيمان الحي، لكي نقبل بذلك.

 

فهل يا ترى، لو كان الإيمان وتعليمُه ركيزةَ الحياة والقرارات اليومية، كنا وصلنا إلى هذا الجفاف الروحي، الذي نعيش نتائجه اليوم، بحيث خفّ حضور قداس الأحد، والإقبال على الصلاة، وهذا ميزان الحراراة للإيمان في العالم، بل كثيرون لقوا أسباب مادّية كي يُعلنوا إلحادهم، ويتركون الإنتماء الى الكنيسة ، وذلك لتوفير الضريبة الكنسية؟ يبيعون إيمانهم من جديد مثل يهوذا بثلاثين من الفضة. هل هذا يا تُرى يعني تحمّل ممسؤولية شخصية للدين أمام الضمير، لو كان حيّا، حتى لا نقول أمام الله؟.

 

فلو كان البشر مطلعين على حقائق الإيمان وأنه يعطيهم الثقة بعون الله لهم، وأنه قريب لهم، هل كانوايتصرّفون كالوثنيين او كالذين لا دين لهم؟. إن التربية الدينية في أزمة اليوم، فلو كان الأهل اهتموا بتربية أولادهم في البيت، وغرسوا فيهم بمثلهم الصالح مبادئ الدين وجمالَه،  لَما كنا وصلنا إلى هذه الأزمة الدينية التي نعيشها اليوم. إذ بولس يقول الإيمان هو ثمرة السماع. فكيف يستطيع الجيل الناشئ أن يسمع ويتبع كلام يسوع وتعليمه، إن لم يجدوا ذلك في البيت. هم يسمعون يسوع في صوت أهلهم و كلمتهم، إذا ما قام هؤلاء بواجبهم.

 

اننا نستغرب أن أكثر الأولاد والشبيبة اليوم أينما كانت، سواء على الشارع أو في الباص أو القطار، منهمكة مع ذاتها فقط. التليفون الذّكي في اليد والسمّاعات في الآذان، يسمعون كل شيء من أغاني ومكالمات غريبة من الصباح إلى المساء. فأين ومتى بوسعهم أن يسمعوا عن الإيمان، وبالأخص مِمَّن؟ لهم آذان لكنهم لا يسمعون. كذلك قليلون هم الذين يجدون الوقت للصلاة والتكلم مع الله، بل لنقل لسماع صوت الله؟ إذ من يؤمن يصلي ومن يصلي هو مؤمن، قالت الأم تريزا.

 

إن وقت الصيام هذا يريد أن يساعدنا أن نرجع إلى ذواتنا بالطرق المعهودة، أعني بالصوم الإختياري وأهم منه بالصوم الروحي أي بمحاربة الشر، والصلاة وأخذ الوقت لقراءة وسماع كلام الله، حتى نسير طريقنا بإرشاداته وتعاليمة.

 

هذا وفي بداية الصوم تصل الرّعايا دائما رسالة من أساقفة الأبرشيات، فيها يُعطون نصائح وإرشادات للمؤمنين، كيف بإمكانهم أن يستفيدوا من هذه الفترة روحيا وبالتالي يعلنون عن مشروع يطلبون من المؤمنين دعمه مادّيا بسخاء في بلد ما، لدعم مشاريع الكنيسة العالمية. فالتبرع النادي هو أيضا من صلب قوانين الصوم، نقطع شيئا عن أنفسنا لنعمل فيه خيرا لغيرنا. ألفقراء عندكم في كل زمان.

 

إننا ما دمنا لا نعطي، لا لله ولا لوصاياه مكانا في قلوبنا، فلن نجد السعادة ولو كنا أغنياء، إذ السعادة ليست بالغنى وإنما بتتميم إرادته تعالى في يومنا وعملنا الذي نعيشه ونمارسه، إذ على قول القديس أغسطين: لقد خلقتنا لك يا رب ولن يستريح قلبنا إلا فيك! فلا أجمل من الصلاة إلا تمجيد الله ومدحه في الحياة وعمل الخخير لغيرنا. فهذا هو الصوم المقبول عند ربنا. آمين