موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٩ نوفمبر / تشرين الثاني ٢٠٢٠

هل أنت ملك؟

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
مُلْك يسوع هو ملك عدل ومحبة وسلام

مُلْك يسوع هو ملك عدل ومحبة وسلام

 

الأحد الرابع والثلاثون (متى 25: 31-46)

 

إنني أجد لعبة الشطرنج، من أرقى الألعاب المسلِّية. وكلُّ من يلعبُها، يعرف ما نهايتها، فهي كمعركة حيّة، تنتهي بالإنتصار على الملك، إذ الملك على طاولة اللّعب، هو أهم قطعة لعب، وكلُّ هذه اللعبة تدور حول الدِّفاع عنه أو استسلامه أمام جند العدو المقابل. وكل حجارة اللعب حواليه تحمل أسماء عسكرية من جنودِ مُهاجَمة ودِفاع، وحصان، وبرج حماية، وبالدرجة الأولى الملكة، التي لها الدّور الكبير، قي إدارة المعركة وتفويض الجنود السلطة بجانبها، للدّفاع عن ملكها. هذه اللعبة تُعبّر عن الزّمان الّذي اكتشفها فيه النّاس: فقد مرَّ زمان، كان الناس يحبّون ملكهم ويقفون صفّا واحدا لحمايته، وكان هو قائدهم ومنظّم حياتهم. قوانينه وأوامره كانت تعطيهم ثقة وانتباها وحذراً كبيرة.

 

التوراة أعطت يسوع ألقابا عديدة، منها المخلِّص المنتظر، وملك السّلام. أمّا العهد القديم، فيُفضِّل لقب الرّاعي، وذلك لأن مهمّة الملك هي كمهمَّة الراعي، أي الإعتناء بقطيعه، بحيث يقوده إلى المراعي الخصبة وإلى ينابيع الماء، بالإضافة إلى الرّعاية والإهتمام والإعتناء بكامل القطيع.

 

اليوم، آخر أحد من السنة ألليتورجية، إذ حسابها هو غير حساب السنة المدنية، تختتم الكنيسة سنتها الليتورجية، بالإحتفال بهذا العيد، أي عيد يسوع الملك. فهذا العيد في آخر آحاد السنة، هو قمة أعياد المسيح التي نحتفل بها خلال السنة. فالكنيسة تكشف لنا أحداً بعد أحد، وعن كلِّ منابرها، أسرار المسمّى بيسوع المسيح المتعددة، والتي لا نهاية لها، آحادا تُسْمِعنا خطاباتِه، آحاداً أُخرى أقوالَه، وأخرى عجائبه المتنوِّعة، وأُخرى ردّاتِ فعلِ سامِعيه على أعماله وأقواله. وتنهيها اليوم بعيد إعلان سلطة يسوع كملك. فهل هذا العيد صحيح؟ أننا نسمي وقتنا: الوقت ما بعد المسيح، وهذا يعني، أنّ كلَّ ما في العالم هو للمسيح وكلُّ شيءٍ الآن في العالم تحت سلطته، على ما فيه من شرور، وإن كان محكوما بما هبّ ودبّ من حكام وملوك، لكنه مُلْكٌ خاص ليسوع، الّذي أعطته الكنيسة لقب ملك الملوك. وذلك كما يفسِّرُه لنا بولس. لأنه افتدى كل شيْ بدمه، وهو حيٌّ ولن يموت أبدا. بهذه النقطة، نقطة الفداء، يقوم حقّ ملكِيَّتِه، وهو حق مُلْكٍ قانوني، لا وراثي اختياري، كما نعرفه.

 

إن مقام الملك، خاصة عند الأطفال عالٍ جدّاً. فالكلُّ منهم يبقى يحلم أو يتمنى ويشتاق أن يرى ملكا في حياته. وإن حدث فيبقى ذلك عالقا في ذهنه إلى مدى الحياة. إذ الملك للأطفال هو السوبرمان الحي، الذي يشاهدونه في الأفلام. وأي طفل ليس مُغرما بالسّوبرمان، بل ويحلم أن يُصبِحه هو يوما ما بنفسه. إذ السوبرمان هو بطل بعضلاته القوية، يملك ذهبا كثيرا، ومسكنه أيضا قصر ذهبي، يُحقِّق كل الأحلام والمطالب التي تصله من شعبه، يأكل مع أُمراءٍ وأميرات فائقات الجمال. خدّامه من أسعد الخدّام. على رأسه تاج ذهبي وفي يده صولجانُ حُكْمٍ ذهبيٍّ برّاق، ملابسه أُرجوانية ٌ لامعة، وبالتالي هو جالس على عرش ثمين والكل خاضع له. هذه تخيُّلات الأطفال عن الملك. ويسعدون حين تلإتاح لهم الفرصة بمشاهدته من قريب.

 

من لم يسمع قبل كم سنة عن الخبر الطريف مع أليزابيت، ملكة انجلترا؟ حيث قيل إنّ أحد الرّجال، تقنّع وعَبَرَ كل محطات التفتيش الشديدة إلى قصرها، دون أن يُكْتَشفَ أمرُه، ودخل شقة سكنها الخاصة، فاسستغربت الملكة وسألته ببساطة: ماذا تريد؟ قال، بعد ما تمعّن بوجهها وسمع صوتها لأوّل مرّةٍ في حياته: أحتاج إلى باكيت دخان. ويُقال إن الملكة أمّنت له باكيت دخان، فشكرها وخرج فرحا.

 

جرائد أنجلترا ووسائل أعلامها بكاملها، إنشغلت في الأيام اللاحقة، بوصف هذا الحدث الغريب وعن كشف أسراره، فما كان من تفسير إلاّ أنّ هذا الرّجل، كان يحلم طيلة عمره بمشاهدة الملكة عن قُرْب، حتى حدث ما حدث وتحقّق حُلمُه. مقابلة الملوك إذن هي غريزة عميقة في قلوبنا، فإن تمّت فهي أعجوبة في حياتنا.

 

اليوم إذن نحتفل بعيد يسوع الملك، ولو أن هذا اللقب، يبدو استفزازيا، وقد يُعطينا الإنطباع أن يسوع يعيش خلف أسوار عالية، لا نستطيع تسلُّقَها لمشاهدته، إذ هو أيضا لا يظهر علناً إلا نادراً. ومن يسمع هذه الكلمة: يسوع الملك، قد يخطر على باله إيقونات وصور العصور الوسطى، الّتي تُقدِّم يسوع كحاكم عام، جالسا على عرش الحكم، في يده صولجانٍ برأسه حربة، يرمي بنظرة صارمة على مَنْ ينظر إليه، مُحاطا على بعض الصّور بجند الملائكة لحراسته، وعلى أخرى بجوقة من القديسين، مُلتفِّين حوله، كحرّاس ِأمْنٍ، بما يسميه الإنكليز bodyguard. وهذا مفهوم أو تصوّرٌ خاطئ. فمسيحٌ بهذه الوقفة يليق له الإحترام والوقار والإجلال، كملوك الأرض، لكنه غريب عنّا وعن أرضِنا الّتي سكنها 33 سنة، وما كانت فيه، بجانب اللقب، واحدة من صفات القوة والعظمة هذه، بل هو كان وضيعا ومتواضع القلب. كان قريباً من البشر، إذ صار واحدا منهم، بل وسكن بينهم. هو كان أقرب للبشر أثناء حياته الأرضية، من أي ملك آخر. هو كان يعيش بين النّاس ويقبل عزائمهم، يجلس معهم ويأكل من أكلهم. من يفتح لي الباب، آتي واسكن عنده. والّذين سألوه: أين تسكن؟ قال لهم : تعالوا وانظروا! لم يمنع أحداً من التّقرّبِ إليه: "تعالوا إليّ أيها المتعبون وأنا أريحكم".

 

ملك بقلب كهذا، يتمنّى كلُّ واحد أن يكون من شعبه، إذ لمشاهدته لا نحتاج، لا إلى التسلُّل َ ولا إلى التخفي فالخدعة، حتّى نصل إليه. فهو في هذا العالم، ولو أنَّ مملكتَه ليست من هذا العالم. وأمّا أنه على ألإيقونات جالس على كرسي حاكم، يُرسل نظرة جارحة بل غاضبة، على من يرفع الطّرف إليه، فهذا من نسج الخيال لا من الواقع، إذ في الواقع هو غير ما نرى على هذه الإيقونات، فهو نزل عن عرشه، وتجوّل بين الشعب ووعظه بكلام لا مثيل له، قال لسامعيه: "كل ما تفعلوه لأحد هؤلاء الصّغار، فلي تفعلوه" (متى 25: 40). فكلُّ المحتاجين: كلُّ الجوعانين والعطاشانين، كلُّ الغرباء والذين بلا مأوى، كلّ العريان والمرضى والمساجين، هم أعضاء مملكته. هو لهم ومعهم. هو في المحتاجين: ليس هم الأصحّاء الذين يحتاجون إلى طبيب. هو يملك قلوبهم، فمملكته ليست للأرستقراطيين والطبقات المرموقة. بل الإنجيل يقول مملكة يسوع تختلف عن ممالك العالم: "إنَّ مملكتي ليست من هذا العالم، ولو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يدافعون عنّي لئلا أُسلّم إلى اليهود" (يو 18: 37) وفي مكان آخر قال يسوعُ لبيلاطس: لو كانت مملكتي من هذا العالم لطلبت من أبي أن يرسل لي جنودا سماوية يدافعون عن ملكي" (متى 26: 53). مملكة يسوع هي مملكة روحية، لا علاقة لها بالقوّة والسّلاح والحروب، ولا بالمعاقبة والإذلال، بل على التعامل مع حالات ملموسة، يحتقرها العالم، بينما هي من مهام الكنيسة الرئيسية، مارستها ومارسها القديسون في حياتهم. فها القديس مارتين، الذي رأى يسوع في الحلم بصورة شحّادٍ فقير على حافة الطّريق، كان قد قاسمه معطفه في اليوم السابق. ومن يقدر أن ينسى كلمات الأم تريزا حيث قالت: في المناولة نقابل يسوع تحت شكلي الخبز والخمر، بينما في شوارع كالكوتا فإنّنا نلمس جسده في المرضى والأموات.... ونحن فبإمكاننا أن نكون أقرب ما يمكن ليسوع، إن اهتممنا بحالة من هذه الحالات، التي نتجابه بها في مجتمعنا وحياتنا اليومية. بِمِثْل هذه الأعمال، نبرهن كيف يملك يسوع في العالم، وكيف ينمو ملكه. هو ينمو بتقديم أعمال المحبة والتّسامح والأُخوة، التي نقوم بها نحن. ألا نصلّ: ليأتِ ملكوتك. نعم يأتي على يدنا وبواسطتنا.

 

ملكوته يتقدّم ويظهر عندما نلاقي ونساعد المريض والفقير والمتألِّم: "إذ هؤلاء عندكم في كلِّ حين" (متى 26. 11). فمن يقدر أن يفهم الإنجيل أحسن من المسيحيين، إذ هم يجدون فيه بشارة حبٍّ وعزاءٍ وتقديرٍ من مَلِكِهِم، الّذي أعطته الكنيسة لقب ملك، هو ما كان بحاجة له، إذ لقبه الحقيقي هو مخلِّص وكفى، فإنه على عظمته، هو في هذا العالم، قريب من كلِّ واحدٍ، ويقابل كلَّ واحد. هو ليس فقط فوقنا في سمائه البعيدة. بل بيننا، على شوارعنا المُغْبَرَّة، وفي سجوننا وفي مستشفياتنا، ساكنا بين الّذين لا سُكنى لهم، يرافق النّازحين والمطرودين من بلادهم، كما رافق تلميذي عمّاوس. هذا وهو ينتظر منّا أيضاً أن نكون بقرب كلِّ هؤلاء. إذ ملكوته لا يقوم فقط على الصوم والصلاة والتّعبد، وإنّما أيضا سياسي اجتماعي، يَهُمُّه مصيرُ البشر الدّنيوي. فالإنسان لا يخلص بالتالي، لأنه تقيّ ومتعبّد، ولا أيضا لأنَّ له نفوذاً في المجتمع، بل يخلص لخدمته وتضحيته قولاً وعملاً، تمثُّلاً بيسوع، الذي قال: قد اعطيتكم مثلا، فاقتدوا بي.

 

نعم في آخر أحد من السنة، تحتفل الكنيسة منذ 1925 بعيد يسوع الملك، الّذي عمّمه البابا بيوس الحادي عشر على العالم كلّه، لا ليُهين الملوك بمقامهم، بل ليُشجِّع الكاثوليك بالإعتراف بملك العالم الحقيقي، الّذي يختلف عن باقي ملوك العالم وعن ممالكهم. فبينما هؤلاء يؤسِّسون ممالكهم بالحروب وتدمير بلدان بعضهم البعض، أمّا يسوع، فقد اشترى مُلْكَه بدمه: كما قال بولس بدمه قد خلّصنا.

 

عند إعلان هذا العيد، في بداية القرن العشرين المنصرم، كان أكثر حكام العالم، من أتباع الماسّونية والشّيوعية الملحدة ، حيث صبّوا غضبهم على اضطهاد المسيحيين وزجّهم بالآلاف المُؤَلَّفة في السجون، بل بقتلهم أوّلا بأوّل، إن ضلُّوا مُصرِّين على الإيمان. فكم من مؤمن صاح قبل قطع رأسه أو رمياً بالرّصاص: فليحيا يسوع الملك! الكنيسة وتعاليمها صارت ممنوعة، والويل صار لمن يحتفل بالقداس علنا أو يمنح الأسرار لأيٍّ كان. هذا والسبب الثاني، الذي دفع البابا على إعلان هذا العيد كان اليوبيل أي مرور 1600 سنة على إعلان مجمع نيقيا، عام 325 ألوهية وبشريّة يسوع، فهو إذن ملك الطرفين. الأرض والسّماء، وله حق المُلْكِ على العالمين.

 

فما كان إذن إعلان عيد يسوع الملك إلا ردّةَ فعل، على الإلحاد الذي كان سائدا في تلك الفترة. فأرادت الكنيسة أن تبرهن لنا، مَنْ له الحق أنْ يحكم العالم غير يسوع: أي المسيح الملك. لكنه ملك غير ملوك الأرض. هو لا يسكن القصور، المحاطة بالأصوار العالية، فيصعب الوصول إليه. هو ملكنا وخالقنا، يعيش حيث نعيش نحن. فيحق له إلإكرام اليوم والإحتفال بعيده، ولأنه هكذا فهو أيضا سيكون ليس ملكا لجيل بل لكل الأجيال وكل الأزمان.

 

مُلْك يسوع هو كما نصلي في مقدمة هذا القداس: هو ملك عدل ومحبة وسلام. ولكي يبقى كذلك فهو يحتاج مشاركتنا، لتوسيع ونشر هذا الملكوت.  وهذا يتم كلّما ساهمنا ودافعنا عن الحق والعدالة والسلام. فلنرنم من كل قلبنا اليوم: المسيح ينتصر. المسيح يملك. المسيح يتسلّط!


 

من أروع كتابات جبران خليل جبران عن المصلوب!!

 

وأنت أيها الجبار المصلوب، الناظر من أعالي الجلجلة إلى مواكب الأجيال، السامع ضجيج الأمم، الفاهم أحلام الأبدية، أنت على خشبة الصليب المضرجة بالدّماء أكثر جلالاً ومهابةً من ألفِ ملكٍ على ألفِ عرشٍ في ألفِ مملكة. بل أنت بين النزاع والموت أشدّ هولاً وبطشًا من ألفِ قائدٍ في ألفِ جيشٍ في ألفِ معركةٍ. أنت بكآبتك أشدّ فرحًا من الربيع بأزهاره، أنت بأوجاعك أهدأ بالاً من نور الشمس.

 

إنّ إكليل الشوك على رأسك هو أجلُّ وأجمل من تاج بهرام، والمسمار في كفّك أسمى وأفخم من صولجان المشتري، وقطرات الدماء على قدميك أسنى لمعانًا من قلائد عشتروت. فسامح هؤلاء الضعفاء الذين ينوحون عليك لأنّهم لا يدرون كيف ينوحون على نفوسهم، واغفر لهم لأنّهم لا يعلمون أنّك صرعت الموتَ بالموتِ ووهبتَ الحياةَ لمن في القبور.