موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٢٥ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٠

لكنه ندم بعد ذلك وذهب

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
لكنه ندم بعد ذلك وذهب

لكنه ندم بعد ذلك وذهب

 

الأحد السادس والعشرون (متى 21: 28-32)

 

بانتشار الوسائل الإعلامية، أصبح موضوع التهريج وقتل الوقت يحتل مكانا مُهمّا في البرامج اليوميّة. فما من موضوع، سواء مهم أو تافه أو مخجِل، هذا ونادرا ما يكون علميّا ثقافيّاً، إلا ويحتل ساعة جدال، تتصارع فيها وتتصارخ عقولٌ غير مُثقّفة ولا علم لها بالموضوع، حتّى إنَّ مُقدِّم الموضوع، مراراً لا يستطيع وضع حدٍّ للجدالات السخيفة، إذ هو نفسه لا حلَّ صائب عنده، فيترك المتشاركين ينتقدون بعضهم البعض، ويبدون آراءً خيالية، إلى أن ينتهي وقت الجدال ويُسدل السِّتار، دون معرفة ما كان الهدف وما هي النتيجة، التي طلع بها المستمع.

 

سؤالنا هو: هل أمثال يسوع للتهريج وتضييع الوقت؟ لا وألف لا. والفرق كبير. الانجيل ليس حكاية أو رواية او أسطورة، بل هو الكشف عن مخطط الله للإنسان وللعالم. لذا فإن مقاطع الإنجيل الأسبوعية، التي هي محور صلاتنا واجتماعنا كل أحد، تختلف كُلّياً، فهي لا تُريدُ أن تُثيرنا بسبب مواضيع لا علاقة لها بالحياة اليومية، كما يظن البعض، بل هي من صُلب الحياة، تريد أن تحرِّك مشاعرَنا، أن ترشِدنا، أن تنيرنا بل وأن تُوجِّهنا في اختيار الطريق الصحيح لحياتنا. أمثال يسوع ما كانت أبدا للتهريج، بل للتهذيب والإستفادة من دروسها. هل نسينا أناجيل الآحاد الماضية، فكانت لتعلِّمنا التسامح ، وشرحت لنا كيف وكم مرّةً علينا أن نسامح لنصبح تلاميذه. وماذا علينا ان نعمل لندخل ملكوت السّماوات، موطِنَنا الحقيقي. كم يوما، وكم مرّةً عليّ أن أحتمل وأحمل صليبي، لكي أكون تلميذا مُخلصا. لماذا أنا هنا على وجه الأرض؟ نعم، الإنجيل يعطينا حلولاً على هذه الأسئلة.

 

وفي إنجيل اليوم عبرة واضحة، تريد أن تبيّن لنا الفرق بين معاملة هذا الأب مع ولديه ، ومعاملة الله الأب السّماوي معنا جمييعاً. علاقة هذا الوالد بل والتربية ما كانت ناجحة مع ولدين فقط، فكيف كانت ستكون، لو كان عنده عشرة إلى خمسة عشر ولداً، كما حالة العائلات في الشّرق. لقد قال فيلسوف عاقل: لمّا ما كان عندي أولاداً بعد، كان في فكري عشر نظريات لتربيتهم. أما اليوم وقد صار عندي عشرة أولاد، فما عندي أية نظريّة لتربيتهم. هل نتصور؟ سكان المعمورة بلغ اليوم 7.8 وعن قريب 8 مليارات إنساناً، وأنه لا يوجد شخص واحد يشابه الأخر بكل صفاته، لأن كل إنسان وحيدُ نوعه، كما يقول المثل. ولدين فقط، وكل واحد مختلف، ليس فقط في الطول والعرض، بل وفي رد الفعل على طلب الوالد بغياب الثاّني، فهما لم يعرفا أنّ والدهما طلب من كل واحد ما طلبه من الثاني، فكانت النتيجة أيضا مُختلفة. وإنّ كلّ مَن له علاقة مع الأولاد وفي التربية، يقدر أن يُؤكِّد صحّةَ ذلك.

 

لكن هل هذا الإختلاف، هو فقط في اختلاف طبيعة الولدين، أم أيضا في اختلاف علاقة الأب صاحب السلطة مع ولديه؟. فمن هذا المثل نكتشف أنّ علاقته مع ولديه ما كانت علاقة عائلية أصيلة، يعرف كل منهم ما له وما عليه، لكن كما سمعنا، الثقة ضائعة، وهذا يعني أيضا الصّراحة، إذ لا يعبّر أي واحدٍ منهم عن رأيه بوضوح، أمام من يهُمُّه الأمر. ولأن العلاقة العائليّة غير متينة، فلا يُلاقي الوالد جوابا صريحا من أولاده.

 

يسوع لا يريد فقط سرد مثل، بل في باله دائما درسا يطلعنا عليه في آخر أمثاله، فهو يريد اليوم أن يوضّح لسامعيه الصّورة الحقيقية عن الأب في هذا المثل، ويجذب أنظارهم أن الأب الحقيقي هو الله، الذي يعامل أولاده، بطريقة تختلف عن معاملة الأب في مَثَلِ اليوم. قلبه مفتوح لكلِّ أولاده، ويُسَرُّ بكلِّ تائب يعود إليه. هو لا يُقصي أحداً حتى ولو كان قاتلا أو لصّاً أو مُخرِّباً. الحق أقول لك، اليوم ستكون معي في نعيمي. إذ كما قال: يكون فرحٌ كبير بخاطئٍ واحد يتوب، أكثرِ منه بتسعةٍ وتسعين لا يحتاجون إلى توبة. محبة يسوع تبدأ من جديد عندما الخاطئ يقرع صدره ويقول: خطيئتي عظيمة. عندها يقول يسوع: خطاياك مغفورة. إذهب بسلام.

 

الله واثق  بالخير الموجود فينا. وهو صبور ويُهدينا ثقته، كما ويمنحنا الغفران، إن كنّا صادقين في ندمنا عمّا صدر منا او عملنا من شرٍّ. أما قال: رحمة ً أريد لا ذبيحة. وإن الرّحمة هي الوجه الثّاني للمحبّة، وقد أظهرها الله تعالي فورا للإنسان بعد سقوطه في الخطيئة، إذ هو لم يُهفِ هذا الإنسان،  الّذي خلقه على صورته. إذ إهفاءه يعني إهفاءَ نفسه ، وهذا مستحيل، إذ هو مصدر الحياة، فإن أهفى الحياة أهفى نفسه.

 

إن مجيئه وولادَتَه على الأرض، كان لهما هدف، وهي مصالحة البشر مع أبيه، وذلك بطريقة غير معهودة، وهي أنّه استبدل تضحية الخراف، بتضحِيةِ نفسه فداءً عنّا. ولكي يقنِعَنا من رحمته ومحبّته، فقد ألمح أثناء تجواله وكرازاته عنهما، بأقوال وأمثالٍ كثيرة مؤثّرة ومقنعة، أنه يريد خلاصنا. فها مثل الخروف الضّال الّذي يرى كلُّ واحدٍ منّا نفسه فيه. أولسنا نحن المعنيين في قصّة الإبن الذي ترك البيت الأبوي وهام على وجهه، فما وجد من راحة بال وسعادة لا في الملاهي وتبذير المال الكثير، لا ولا بعيداً عن الحضن الأبوي، فاستقبله أبوه بذراعين مفتوحتين، كأنّه لم يقترف أي جُرمٍ، واستعاد بندامته حقوقه التي أضاعها. تماما كما استعادها زكّا العشّار. فإن الله لا يتحامل على من يتوب، بل يغفر له ذنبه ويرجعه إلى الحظيرة، ولو أنَّ ذلك  جلب عليه غضب الفريسيين، الذين كانوا يُعلِّمون عكس ذلك.

 

إن السّماء هي ليست للراغبين فيها، لكنّهم لا يعملون شيئا كي يستأهلوها، كالإبن الّذي قبل فورا بما قاله والده له، لكنه ما تمّمه. الإيمان بدون الأعمال باطل، قال يعقوب الرّسول. السّماء هي للذين أضاعوا الطريق إليها، لكنهم رجعوا إلى صوابهم بعد الضياع، ووجدوا الطّريق الصحيح. وهو هنا التوبة والعمل بإرادة الله. فَمَن تاب خَلَص، ومن لم يَتُب هَلِك! الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السّموات"(متى 18: 3)

 

وما سمعنا في إنجيل اليوم، هو صورة لحياتنا اليوميّة، ولا يوجد أهل لا يفهمون هذا المثل، ويمكن ابتسموا لما سمعوه. فمعروف أن تجاوب الأولاد على أوامر أهلهم لا تختلف عمّا سمعنا. فهناك الولد الأول، المجامِل، والذي لا يسمع منه الأهل ألاّ كلمة: حاضر! على راسي وعيني. لكن ما أن يختفي عن انظارهم، حتى ينسى ما وعدهم به. وهناك الثاني، الذي لا يعرف إلاّ كلمة. لا! ما بدي. ما بعمل! ولكنه ما أنْ يختفي عن وجههم، إلاّ ويندم ويعمل ما طُلِبَ منه.

 

يسوع لم يكن غريبا عن العالم ومشاكله، فهو يشرح لنا، بمثل اليوم، علاقة الأولاد مع أبيهم وهي غير عن علاقة الله معنا، والذي هو أيضاً أب. وفي أخر المثل يرينا ماذا يفعل الله لنا، بعكس هذا الأب المستبد، والذي يخاف أولادُه معاكسته وجهاً لوجه، لكنه بالتّالي هو الخاسر، إذ أوامرُه لا تُطاع. فما هي هذه الحياة العائلية، التي لا تعرف، لا احترام الأهل، ولا الصراحة في الحياة اليومية؟. فهذا واحد يُعاكس الأوامر علناً، ليُثْبِت شخصيّتَه، والثاني غيرُ صريح، فلئلا ينال الملامة وجهاً لوجه، يقبل ما يُطلب منه، لكنه لا يُتمِّمه ،حينما يغيب عن وجه والده. فلو كانت علاقة الوالد قائمة ومبنييّة على الصّراحة والإحترام والمحبة، لا على فرض السلطة، لكان يتم ما جاء على لسان القائد يائير: أقول لعبدي إعمل كذا فيعمل! إذهب إلى كرمي فيذهب. إذن إن كانت العلاقة سلميّة، فلا مِنْ تَمرُّدٍ على أوامر الوالد. طوبى للولد الذي يعمل ما يقول ويكون مطابقاً لإرادة الله الآب.

 

ألا نرى نفسنا بهذا المثل الواقعي البسيط؟ فيوم المناولة الأولى مثلا، يسأل الكاهن مجموعة الأولاد: - هل تريدون، أن تعيشوا حسب إيمانكم؟ فيجيبوا: نعم نريد. وفي صلاة الزواج، يسأل الكاهن العروسين ثلاث مرات: هل أنتما قمستعدان أن تقبلا اولادكم وتقوما بتربيتهم؟ وثلاث مررات يُجيب العروسان: نعم! كما ويُسأل الأهل بحفلة عماد إبنهم:- عل أنتم قابلون بتربية ابنكم حسب تعليم الكنيسة؟ وثلاث مرّات يجيبون بنعم. ولنتذكر كلُّنا كم مرّةً في القداس نجيب على طلب كلمة الله بنعم. وعندما نتلو قانون الإيمان، فهو أكبر نعم نُعلنها لله. وفي صلاة أبانا كأننا نختم بقولنا "لتكن مشيئتك"...وإغفر لنا كما نحن نغفر، كأنها توقيع منّا على ما يريد الله منا.

 

لكن، على اللاّغم من كلِّ تلك النَّعَم والموافقة، فماذا يتبع في حياتنا عمليّا على هذه الموافقات، التي نأخذها على عاتقنا؟. كم مر ّة كان الجواب على النعم هو اللاء عمليّاً!... دنا الأب من الأوّل وقال له: يا بني! اذهب اليوم واعمل في الكرم. فأجابه: لا أريد! ولكنه ندم بعد ذلك فذهب. ودنا من الآخر وقال له مثل ذلك. فأجاب: ها إني ذاهب، يا سيد!. لكنّه لم يذهب.

 

أليس هذا التّصرف هو تصرُّفنا نحن في ما يخص الإيمان الذي نعلنه بفمنا، لكنه لا يتطابق مع أعمالنا. أما قال يسوع: أنتم تدعوني مُعلِّماً وسيِّداً. فإن كنت أنا السيد والمعلِّم قد غسلتُ أرجلكم، فلم لا تغسلوا أنتم أيضا أرجلَ بعضِكم بعضاً(يو 13: 13).فبالإختصار هو تجديد الدّعوة لنا، أن نستسلم بعقلنا وقلبنا لإرادة الله ونعملها. فهو يدعونا يوميا للذّهاب إلى كرمه. فلنقتدِ بالإبن الأوّل، الذي ندم وراح إلى الكرم. لأنه ليس كل من يقول: يا رب! يا رب! يدخل ملكوت السّموات، لكن فقط ذاك الّذي يعمل إرادة أبي الّذي في السّماء. آمين

 

مكافأة على الخير

 

عَمَلُ الْخّيْرِ لا يَحْتاجُ لا لِمَديحٍ ولا لِتَصْفيق

هَذِهِ عادةٌ عِنْدَ اليهودِ حِينَ دَفْعِهِمْ مَبْلغاً يَليق

 

الحقَّ أقولُ لَكُمْ إنّهُمْ َقَدْ نالوا أَجْرَهُمْ هُنا لا فوق

فأَبوكُمُ السَّماوي لا يُجازيِ الْمُرائِين مَا لَهُمْ حَق

 

إِنْ أَعْطَتْ يَمينُكَ حَسَنةً لا تَدَعْ شِمالَكَ تَعْرِف

ما فَعَلْتَ فالخيرُ ليسَ افْتِخارٌ بَلْ للسَّماءِ شَرَف

 

إكْنِزوا بِمالِكُمْ كُنوزاً فِي السّماءِ لا على الأَرْض

فكلُّ ما تَفْعلونَهُ مِنْ حَسناتٍ صامِتَةٍ هُوَ لله فَرْض

 

عِنْدَ اللهِ مِيزانٌ بِكَفَّتَيْنِ كالْكِتابِ فيهِ صَفْحَتَيْن

حِينَ نَظْهَرُ أَمامهُ يَزِنُ الْمُسَجَّلَ ونَراهُ بِالْعَيْن

 

ما مِنْ وَسَاطَةٍ عِنْدَ الله أَوْ ظُلْمٌ أَوْ مُحاباةٌ للوجوه

ولَيْتَ خَيْرَنا يكون أَكْبَرَ مِنْ شَرِّنا هَذا ما نَرْجوه