موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٨ يونيو / حزيران ٢٠٢٠

لا تخافوا! إنكم أفضل من الطيور

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
لا تخافوا! إنكم أفضل من الطيور

لا تخافوا! إنكم أفضل من الطيور

 

الأحد الثاني عشر (متى 10: 26-33)

 

جملة مُشكِّكة لحُماة الحيوان، والّا لما كانو يحتجّون، على قتل حيوان ويسمحون بقتل الجنين؟ قبل سنوات اجتمعت لجنة الدّفاع عن الحقوق البشريّة بدعوةٍ من هيأة الأمم في فيينا، والمسجَّل فيها 192 دولة. جاء للإشتراك فيها حوالى 15000 شخصا من جميع أنحاء العالم. وقد توقّع العالم أن تكون جلسة خارقة نادرة، تطلع بقرارات صائبة، وذلك للحدِّ  من انتهاك الحقوق الطبيعيية للبشر، لكنّها حتى وقبل أن تنعقد، حدثت عوائق واعتراضات، أجّلت من افتتاحها، لأنّ المشرفين على تنظيمها، لم يسمحوا لكل القادمين مع مُمثّلين عن دُولهم، من الإشتراك في الجلسة. فهذا الحدث لوحدِه هو مساس بحقوق الإنسان.

 

كانت الغاية من هذا الإجتماع، هي الإستماع، إلى تقاريرَ من مختلف مناطق العالم، عن حقوق الإنسان وممارستها أو أنتهاكها، مقياسها هو قانون حقوق الإنسان، الذي وضعته هيأة الأمم بتأسيسها عام 1948، وهو نموذج لكل القوانين السارية في العالم. النتيجة أنه في أكثر بلدان العالم، تحدث انتهاكات لحقوق الإنسان لا تُحصى ولا توصف ولا تُعدّ. حتى في أوروبا حيث كانت الثورة الفرنسية قد وضعت أوّل ميثاق للحقوق البشرية عام 1789، التزمت فيه بالحقوق الثلاثة المشهورة: الحريّة والمساواة والأخوَّة: liberté; Egalité et Fraternité وقبلت به كلّ أوروبا، تُنتهك هذه الحقوق بشكل متواصل، وفي بلدان منها، كلمات مثل الديمقراطية، حريّة الصحافة ، حتى لا نقول الحرّية الدّينية، فهي غير معروفة حتى اليوم، كما في العالم الثالث، حيث نجد فيها قصاصات ترجع إلى القرون الوسطى المُظلمة، كقصاص الزانية بالرجم، المعروفة في أكثر البلدان الإسلامية، أو جعل المرأة عبدة مطيعة للرجل، لا يحقّ لها الإشتراك في الحياة الإجتماعية أو إشغال وظيفة، إذا كان أكثر موظفبها من الرّجال.

 

هذا وبعد ما تخلّصت أفريقيا من نير الإستعمار، افتكر العالم انّه ستحل محلَّه أنطمةٌ ديمقراطية، تُنسي الماضي. لكنّه أخطَأ في تفكيره، إذ تفرّغت دول أفريقيا الكثيرة لحروب الجار مع الجار، فكثرت فيها انتهاكات الحقوق والإضطهادات القبلية، ممّا أدّى إلى صراعات وحروب، نتج عنها تجويعٌ وفقرٌ غيرُ سابقين، كانت نتيجتهما موجة نزوح إلى أوروبا الغنية، غيرُ سابقة المثيل، تفتيشا عن عمل واستقرار وهربا من الإضطهاد العرقي. ولا بدّ في هذا المجال من التّطرُّقِ، إلى ثورة الخميني في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، لأنها داست على كل بروتوكولات الدّول، بخصوص حقوق الفرد، والمرأة والحقوق البشرية. وماذا نقول عن انتهاكات أمريكا بالذات، التي تُظهر نفسها أكبر محامية للحقوق في العالم، لكنها أوّل هاضم للحقوق البشرية، بعد يوغسلافيا وأفغانستان، وما يجري حاليا من تفرقة عنصرية في المعاملات بين السود والبيض على أرض الواقع، هو خير برهان. ألحقتها بجرائمها الحقيقية المخزية في حروبهاىالمفتعلة ضدَ العراق، وبالمقابل تُغمض الطّرف، بل تقف جنباً إلى جنب مع إسرائيل، ابن أمريكا المُدلل، والّتي يسمّيها النّاس بالولاية الأمريكيّة الحادبة والخمسين خارج أمريكيا، بالسّماح لها بانتهاك كل حقّ بشري يعرفه ولا يعرفه العالم، دون الوقوف بوجهها، ولا محاسبتها كباقي الدول على جرائمها الحربية المرئية والمخفية في تقتيل وتجويع الملايين وهدم مستشقيات ومدارس ومصانع سلميّة عامة كمصانع حليب وتطالي، بحجّة أنها مصانع أسلحة، لا حصر لها بحجة الدّفاع عن النفس. ثمّ نهب أملاك الفلسطينيين بلا مقابل. وقبل بضعة أشهر أعطتها الحرّية لضم مستعمرات على أرض محتلّة منها لا لها. فلو عملتها دولة أخرى مثلما عملت روسيا في الكوزوفو، لأعلنت عليها حربا طاحنة. فأي قانون هذا، الذي يسمح بالقتل والسلب والنهب، ومن جهة أخرى يسمّي نفسه حامي حقوق البشر.

 

من مضمون قانون هيأة الأمم الدّولي، هو مُعاقبة المعتدي، سياسياً واقتصاديّا. لكن عندما يكون المعتدي هو دولة قوية، أو حليفاً لها، قتتوقّف ممارسةُ القانون، بحجّة أنه يُستّغلُّ للدفاع عن مصالحها الخاصة. كل الدّول الممثَّلة في هيأة الأمم، يحق لها حق النقض عندما تهين دولةُ دولةً أُخرى، إلا أن الدُّول الكبرى، في قضايا تهمُّها هي، فتلجأ إلى حق الفيتو-النقض لمصلحتها، ولا تسمح للدول الصغيرة بالتّدخّل عندما هي تجرح قوانين مواطنيها، كما في أمريكا حاليا، كما ذكرت، التي تنتهج سياسة التفرقة العنصرية ضد سكانها السّود علناً، أو الصين أو إسرائيل فهذه دول لا تعرف القانون، بل هي فوق القانون، يحقُّ لها ما لا يحقُّ لعيرها، حتّى إنّه لا يجوزعليها أي قانون عقاب، ولو كانت أعمالها مشينة صارخة. أليس ذلك مهزلة، أنّ الحقّ دائما مع القوي، ولا يُقاصَص إلاّ الضعيف. إن وجود هيأة الأمم تحت هذه الشّروط لا لزوم له، فأعمالها تشهد عليها وعلى فشلها في هذا المجال.

 

هل يحق لهذه الدّول أن تكون عضوا فعّالا في هيأة الأمم، وتدافع عن حقوق البشر، وهي نفسها لا تعرف ولا تعترف بل لا تحترم حقوق غيرها؟ في الإجتماع المذكور تبين أنه من بين ال 192 دولة منها 110 دول لا تحترم حقوق الإنسان التي ينص عليها القانون. ففي هذه البلدان لا يزال التعذيب وسؤ المعاملة للمساجين والضعفاء على الجدول العملي اليومي. وماذا نقول أو كيف نحكم على الدّول المسجَّلة كأعضاءٍ رسميّة في هيأة الأمم ومسؤولة عن حماية الحقوق، وقد حلّلت قانون قتل الجنين والمٌسنين المتألمين، واحدة بعد الأخرى.

 

كل القوانين الدُّولية تعترف بأنه لا يجوز التلاعب بالقانون، لا الفردي ولا الجماعي، بل كلُّ الناس سواسية أمام القانون، إذ الجميع خلائق الله، ويجب حمايتُهم واحترامُهم، ولا تجوز معاملتهم حسب دينهم ولونهم ووضعهم الإجتماعي، بل كخلائق الله المتساوين. فلكل واحد له الحق على المأكل والمشرب والمسكن، وعلى تأسيس عائلة. كما وله الحق على تأمين وظيفة يعيش منها، هو وعائلته. كلّ الدّول مسؤولة عن حماية حياة مواطنيها، لا إهفائها. فمن وصايا الله مثلا وصية : لا تقتُل! فمن له الحق أن يُلغي هذا القانون ويُعلن حروبا ضدَّ غيره، ويقتل الأبرياء قبل الظالمين؟ نعم إنَّ أظلم قانون، هو الإعتراف ببند قانون القتل والإعدام، بل وممارستهما على مواطنيها، في قانون دولة مسؤولة عن حماية الإنسان. هذا خطأٌ وجرمٌ أن نقول: قتل الخاطئ مُحلّل، لأنّ فيه درسا للآخرين، كي يحسبوا حسابا، فلا يقعوا في نفس الخطأ.

 

يسوع وضع قانونا رسميا عادلا، لا يعلو عليه قانون، إخْتصره بالجملة: كلَّ ما تريدون أن يفعل النّاس بكم، إفعلوا أنتم أيضا بهم. لأنّ هذا هو النّاموس والأنبياء" (متى 7: 12). هذا هو قانون المساواة والعدالة. عندما يكون الجميع سواسية أمام القانون. لا قوي ولا ضعيف. لا ظالم ولا مظلوم. لا حاكم ولا محكوم. أنا أعطيتكم درساً، ليكن كبيركم كصغيرِكم. عندها فقط نقدر أن نتكلّم عن احترام القانون، وبوسع الدّول المترأِسة في هيأة الأمم، أن تُصدر قراراتها بمعاقبة من لا يحترم هذه القوانين، لا إغماض العين عن بعض الدّول، حتّى وإن كانت ظالمة. هنا يجب التذكير بموقف يسوع أمام الفريسيين، الذين ، للمحافظة على سلطتهم أمام شعبهم، كانوا يربطون كل شيء بقوانين لغيرهم، هم أنفسهم لا يلمسونها بأناملهم. إن أقسى أحكام يسوع كانت هنا، حيث لم يتهاون بِلَصْم قادة الشعب هؤلاء، بأولاد الأفاعي! والدّفاع عن حقوق المظلومين منهم، مِثلُ دفاعِه عن الزانية. أنا لا أحكم عليك! هو يدعو "تعالوا إليّ أيها المُتعبون والمثقلون، ونقول أيضا أيها المظلومون، وأنا أحمل نيركم الثقيل! هو لا يترك أحداً يضيع، بل كالراعي يفتِّش عن الضائع، ويحمله على أكتافه إلى الحظيرة من جديد. قوانينه هي  قوانين حب وتسامح: لآ أدعوكم عبيداً بل أصدقائي (يو 15:15). هو يتحاشى أن يسمّي نفسه حاكما، بل حاميا يجعل شمسه تُشرق على الأشرار والصّالحين، ويُمطر على الأبرار والظّالمين" (متى 5: 45). يغفر لا سبع مرّات بل سبع مرّات سبعين مرّة (متى 18: 22). الله أبٌ رحيم، بل طويل الرّحمة، لا كالآلهة الوثنية التي كانت تطلب الإنتقام.

 

لا تخافوا ممّن يقتل الجسد ولا ييستطيع أن يقتل فيكم النّفس! ثلاث مرّات كرّرها يسوع على مسامعنا في نص الإنجيل القصير اليوم،. يسوع كان يهيئ تلاميذه ليرسلهم للتبشير، لا بالخفاء بل علناً، هذا وما كان كل المستمعين عندهم الإستعداد، ليقبلوا الرِّسالة الجديدة، الّتي جاء بها. من هنا هذا التحذير، فهو يعرف أن أسباب الخوف كثيرة في هذا العالم، وكثيرون من حُكّامه هم ظالمون ولا يعرفون غير قانون الظلم. هو لا يريد تعزية تلاميذه، بل تشجيعَهم وكسبَ ثقتِهم، حتى وإن ذاقوا الأمرَّيْن من ظلم الظالمين، فهم بشر مثلنا حتى وإن كانت السلطة بيدهم "لم يكن لك عليَّ سلطة البتّة، لو لم تكن قد أُعطِيَتْ لك من فوق (يو 19: 11). هو يعرف، أنَّ من يعترف به ويبشّر به، سيجلب على نفسه الإضطهاد :كما اضطهدوني سيضطهدونكم. لكن لا تخافوا. ثقوا فقد غلبت العالم. الإيمان كان دائما سبب ألإضطهاد، لكن من يؤمن لا يخاف، قالها البابا القديس يوحنا الثالث والعشرون. إنّنا لا نقدر أن نصمت، فإنّ الله أحقُّ من الإنسان أن يُطاع. فمن اعترف بي قدام النّاس أعترف به قدام أبي الّذي في السّموات. إذًا إعرفوا، أنتم أفضلُ من الطّيور. آمين