موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الإثنين، ١٤ سبتمبر / أيلول ٢٠٢٠

لأنك بصليبك المقدس خلصت العالم

بقلم :
الأب فارس سرياني - الأردن
لأنك بصليبك المقدس خلصت العالم

لأنك بصليبك المقدس خلصت العالم

 

أيّها الإخوةُ والأخوات الأحبّاء في المسيح يسوع. المسيحُ الّذي نؤمنُ به مصلوبًا، ونؤمِنُ به أيضًا حيًّا قائِمًا، لن يموتَ، ولن يكونَ للموتِ عَليه مِن سلطان. وكما أن لَيس للموتِ عَليه من سلطان، فكذلِك لن يكونَ للموتِ علينا نحن من سلطانٍ أيضًا. فإن كنّا نؤمن بمسيح مصلوب، فإنّنا نؤمن أيضًا بمسيح قائم. وإن كنّا نحتفل اليوم بِعيدِ ارتفاع صليب ربّنا يسوعَ المسيح، فإنّنا نحتفل بعلّةِ افتخارِنا، الّذي به: "أصبحَ العالمُ مَصلوبًا عندي، وأصبحتُ أنا مصلوبًا عندَ العالم" (غلاطية 14:6) فالصّليبُ فخرُنا. الصليبُ عزَّتُنا. الصليبُ رِفعتُنا. الصّليب نُصرتُنا. الصليبُ خلاصُ كلّ البشر. فلا خلاص لأحدٍ تحت السّماء، إلّا بصليب ربّنا يسوع المسيح.

 

اليوم، سنتحدّث عن الشّق التّاريخي لعقوبة الصَّلب. كما سنتحدّث عن الشّق العَملي للصّلب لنرى كيف كان يتم، فنتمكّن من فهم صَلب سيدنا يسوع المسيح بشكل أفضل. وعن التّقاليد المصاحبة لهذا العيد. وأخيرًا عن المعنى الرّوحي للعيد.

 

يُجزِمُ المؤرّخون والباحثونَ أنَّ عقوبةَ الصّلب، قد بدأت في بلادِ فارس القديمة، نحوَ سنة 522 قبلَ الميلاد. حيثُ كانت الإمبراطورية الفارسيّة تُستخدم هذهِ العقوبة كوسيلةِ تعذيب شَرِسَة للغاية، ونوع من أنواع التّنكيل الوَحشي المُفضي إلى الموت. لتنفيذِ حُكمِ الإعدام بالمجرمين، وكوسيلة ردعٍ مُرهبةٍ لغيرهم من النّاس، حتّى يحسبوا ألف حساب قبل ارتكاب الجُرم عينه. ويروي المؤرِّخُ الإغريقي هيرودوتس (Herodotus)، أنَّ الملك الفارسي داريوس الأوّل، قد صَلبَ نحوَ ثلاثةِ آلافِ شخص. ومن الفُرس، اِنتقلُ حُكمُ الإعدامِ بالصّلب إلى الإغريقِ اليونانيّين، فاستعملَهُ الإسكندرُ المقدونيُّ الكبير، ثمَّ انتقلَ إلى الرُّومانيين.

 

عندَ الرّومان، كان الإعدامُ صلبًا حُكمًا لأصحابِ الطّبقاتِ الدُّنيا من غيرِ الرّومان، كالعبيدِ أو الّلصوصِ أو الرَّعاع. حيثُ كان الصَّلبُ الأداة الأكثر قسوة ووحشية، بينَ سائرِ العقوباتِ المعتمدة لدى الرّومان. يليهِ الإعدامُ حرقًا، أو رميًا للحيواناتِ المفترسة.

 

وبعدَ ثورة العبيد أو ما يُسمّى بثورة سبارتاكوس، الّتي قامَ بها مجموعةٌ من العبيد ضدَّ حُكمِ روما، صَلب القائدُ الرّوماني ماركوس كراسوس (Marcus Crassus) ستّةَ آلافِ أسيرٍ من العبيدِ الثّائرين. أمّا المؤرّخ يوسيفيوس فلافيوس، فقالَ أنَّ القائد الرّوماني تطيس، عندما حاصرَ مدينة القدسِ ثمَّ اجتاحَها سنة 70 للميلاد، كانَ يصلِب في اليوم الواحد نحو خمسمائةِ يهودي من الثوّار، سعيًا منه لإرهابِ اليهود وإخماد ثورتِهم.

 

أمّا القديسُ أوغسطينوس، فكتبَ قائِلًا: (ما مِن موتٍ عنيفٍ أرهبَ من الموت على الصليب). ولم تتوقّف عملياتُ الصّلبِ عندَ الرّومان إلّا في القرنِ الرّابع على يدِ الإمبراطور قسطنطين.

 

ومِن خلالِ عِلم الآثار، استطاعَ العلماء أن يكوّنوا صورةً عن أداة الموتِ البشعةِ هذه. فقد كانَ الصليب مكونًا من مادّة الخشب، ويتألّفُ من عِدّة أقسام:

 

- عارضة خشبيّة عمودية، يبلغُ طولُها نحوَ المترين أو تزيد. وعادةً ما تكونُ مُثبّتةً مُسبقًا في مكان الصّلب.

 

- عارضة خشبيّة أفقية، يتناسب طولُها مع طولِ العارِضة العامودية، يحملها المحكومُ عليه بالصّلب، إلى مكان تنفيذ الحكم.

 

- كُرسي القدمين، وهي قطعة خشبيّة توضع لتثبيت القدمين مع ثَنيِهِمَا وبالتّالي تخفيف وزن الجسم عن السّاعدين.

 

- رقعة أو عِلّة الحكم، وهي قطعة خشبية يُكتَب عليها اسم المحكومِ عليه والجُرم الّذي استوجبَ الموتَ بسببِه. وفي حالة المسيح كانت العلّة (يسوع النّاصري، ملكُ اليهود). وقَد كُتِبتَ العلّة بثلاث لُغات: عبرية/ لاتينيّة/ يونانيّة. فالعبريّةُ لأنّها لغةُ السّكان المحلّيين أي اليهود. والّلاتينيّة لأنّها لغة أهل الحكم أي الرّومان. أمّا اليونانيّة فكانت لُغة ثقافة متداوَلَة وسائدة عند شعوب العالمِ القديم، وخصوصًا شعوب حوض البحر الأبيض المتوسّط، تمامًا كما هي الانجليزيّة اليوم.

 

وَلِتَثبيتِ الشّخص على الصّليب، كان هناك طريقتان: إمّا الربطُ بِالحبال. وإمّا التّسمير، أَي استخدام مسامير حديدية، تُدقُّ فتخترقُ اليَدَين والقَدَمَين. وكان هذا النوع هو الأكثرُ شيوعًا، وهو النّوع الّذي اِستُخدِمَ لتثبيت المسيح على خشبةِ الصّليب. ولتثبيت اليَدَين كان المسمَار يُدقُّ في المنطقة الواقِعة مِن راحة اليد حتّى المِرفَق. وعادةً، كانَ دَقُّ المِسمار مباشرة فوق الرّسغ وبينَ عَظمتَي السّاعد، الزّند والكعبرة (Radius and Ulna). ولتثبيت القَدَمين كان يستخدم مسمار بطول 12 سم تقريبًا.

 

أمّا طول الفترة المطلوبة للوصول إلى موت الشّخص فكانت تستمرُّ من ساعاتٍ حتّى أيام، بالاعتماد على طريقة الصّلب، وقوّة الضّحية البَدَنيّة، والظّروف الجوية المحيطة. أمّا الوفاة فتعدَّدت أسبابُها بحسب العلماء، فالصّلبُ يؤدّي إلى تمزق وفشل في عضلة القلب، وتدنّي في كمية الدّم المتدفّقة مِن القلب إلى باقي أعضاء الجسم، وزيادة نسبة حموضة الدّم، والاختناق وعدم القدرة على التّنفس بشكل كافي، وإلى جلطة رئويّة. وفي أحيانٍ أُخرى يكون المصلوب عرضة للافتراس من قِبل الحيوانات الضّارية.

 

 في عيد اِرتفاعِ الصّليب هناكَ تقلِيدانِ لا يزالانِ حاضران في كلِّ اِحتفال، وهما: إضاءةِ النّار، وتوزيعِ ثمارِ الرمّان. أمّا تقليد إشعالِ النّار، فيرجِعُ إلى النّارِ الّتي أمرت القديسةُ هيلانة، والدةُ الإمبراطورِ قسطنطين، بإشعالِها مِن قمّة جبلٍ إلى آخر، لكي تُوصِل خبرَ وُجدانِها لخشبةِ الصّليب لابنها قسطنطين، الّذي كان في القسطنطينية آنذاك. فقد كانت النّار وسيلة الاتّصال الأسرع في ذلك الوقت.

 

أمّا مباركةُ وتوزيعُ ثمارِ الرمّان فهو تقليدٌ قديم، إذ اِعتادَ المؤمنون في عيدِ الصّليب أن يحمِلوا معهم ثمارَ الرمّان إلى الكنيسة، ليقومَ الكاهن بمباركتها وتوزيعها عند نهايةِ الاحتفال. فعادةُ تقديم بواكير الثّمار هي عادةٌ تستمدُّ جذورَها من العهدِ القديم، حيثُ أمرَ الربُّ شعبَه بتقريب البواكير، ليتذكّرَ الإنسانُ أنَّ كلَّ عطيّة من الأرض، هي هبةٌ ونعمة من الله المانحِ الهباتِ والواهبِ العطايا. فتكون تقدمةُ المؤمنين تعبيرَ شكرٍ لله على هباتِه. وقد تزامنَ الاحتفالُ بعيد الصّليب مع موسِم نضوجِ وقِطافِ ثمار الرّمان.

 

أضفِ إلى ذلك، أنَّ ثمرةَ الرمّان تحمِلُ قِشرةً قاسيةً وجافّة، كما أنّها مُرَّةُ المذاق. ولكنَّ هذه القشرة تُخفي حُبيباتِ الرمّان الطّرية حمراءُ الّلون وحلوةُ المذاق. فرأى فيها الرهبانُ والنُّساك منذُ القرونِ الأولى للمسيحية رمزًا لسرِّ الصليب المر، ولسرِّ القيامة الحُلو. فالحياةُ مع المسيح على هذهِ الأرض كقشرةِ الرمّان. هي جهادٌ روحيٌّ متواصِل مرٌّ، يتطلّب من المؤمن أن يحملَ صليبه كلَّ يومٍ صالبًا شهواتِه وعاداتِه الرّديئة، ولكنّه جهادٌ يُفضي إلى حياة أبدية وملكوتِ سعادة وحلاوةٍ وهناء. وهذا ما تُشيرُ إليه حبّاتُ الرُّمان الحمراء والحلوة. كما أنّ العُصارة الحمراء لحُبيبات الرُمان تُشير إلى دم المسيح، الذي سُفك على الصليب لأجل فداء الانسان.

 

يا أحبّة: قد يكون صليبُكَ عِلّةً في جسدِكَ أو عقدةً في نفسِك وطَبعِك. قد يكونُ صليبُكَ فردًا في أُسرتِك وبيتِك، زوجًا أو زوجة، ابنًا أو ابنة، أخًا أو أُختًا، قريبًا أو نسيبًا أو عديلًا. قد يكون صليبُكَ مديرًا في مدرسة أو أستاذًا في صف، أو طالبًا مُشاغِبًا، أو مرؤوسًا مُتمرِّدًا، أو رئيسًا لئيمًا، أو جارًا ثقيل الدّم، أو حتّى مؤمنًا في رعيَّتِكَ. فالحياةُ تحملُ كمًّا من الصّلبانِ تختلفُ باختلاف الأشخاص. فالبعضُ يحملُها بحبٍّ وإيمان، والبعضُ يحملُها بتذمرٍ وكُفران.

 

الصّعوباتُ الّتي نواجِهُها هي صليب. الإخفاقاتُ الّتي نختبرها هي صليب. عدمُ الفهم وسوءُ ظنِّ النّاس فينا هو صليب. الغصّاتُ الّتي نُكابِدُها والآلامُ الّتي نتجرَّعُها هي صليب. الظُّلمُ الّذي نُعانيه، والقهرُ الّذي نُقاسيه، ونكرانُ الجميلِ الّذي نُلاقيه هو صليب. جائحة الكورونا هي صليب كوني عام. موتُ الأحبّاءِ وفُقدانُ الأصدقاءِ هو صليب.

 

دعونا نطلب من الرّب ألا تكون صلبانُ حياتِنا سبب تعاستِنا وشقائِنا، بالرّغم من مرارتِها، بل أداةَ خلاصِنا وجسرَ عبورنا صوب الملكوت الأبدي. آمين

 

نسجد لك أيها المسيح ونسبّحُك، لأنك بصليبك المقدس خلصت العالم