موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٠ يناير / كانون الثاني ٢٠٢٠

عيد عماد الرب

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا

"واعتمد يسوع من يوحنا" (متى 3: 13-17) العهد القديم ليس كتاب خرافة للأطفال بل هو وحي إلهي. موضوعه الأساسي هو الله وكيف أن الإنسان بوحي منه تعالى يحاول اكتشاف بل وفهم هذا الإله. من أسطر هذا الكتاب نكتشف كيف أن الإنسان هو خَلْقُ الله، خلقه على صورته ومثاله، جمّله روحيا وداخليا بصفات تجعله منه وحدة متناسقه في القول والعمل، لا تنازع ولا خلاف فيه كما نعرف من بولس: أريد الخير ولكنني أعمل الشر. لم يكن يشعر بالميول إلى الشر وكانت له مؤهلَات داخلية خارقة لا تخضع لتجربة. العمل ما كان مضنيا له وغير مثمر. كان لا يخاف ولا يحسب حسابا للموت، إذالموت دخل بعد الخطيئة يقول بولس(روم 5: 12) "بإنسانٍ واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع". بما أن الإنسان كان مُجمّلاً بهذه الصفات الكثيرة، فقد كان الله يجد نفسه في خليقته. لكنّ التوراة تُتابع ونتيجة لخلل شخصي فقد دخل خلل في الإنسان وفي العالم حولَه. هذا الخلل كان جذري شامل، حتى إن الإنسان بسببه قد خسر كل المواهب المجانية، التي كان الله وضعها فيه، بل لقد ثارت الطببعة عليه وصار يخافها. جورج بيرنانوس، كاتب فرنسي مشهور قال: 3 أشياء فقط نجت من خراب الخطيئة: ألنجوم والأطفال والورود. هذا الخراب الذي جلبه آدم على نفسه وعلى نسله يسميه الإيمان: الخطيئة الأصلية، وهي الإختيار الأوّل الحر الذي اقترفه الإنسان الأوّل أدم، بالنيابة عن نفسه وعن نسله، لأنه في مقامه الأول الذي خرج فيه من يد الله كان نائبا عن كل الذرّية البشريّة التي ستلد من صلبه. بهذ الإختيار، فقد آدم حالة القداسة والنقاوة والعدالة التي جاءت معه من يد الله، لذا فقد انفصل عن وحدته مع الله ووقع تحت سلطة العدوّ المنافس أي إبليس. نعم لقد أدار ظهره لله وإنعاماته، وذلك كنائب عن جميع أبناء جنسه. لكن أخطأ من افتكر أن الله استغنى عن خلقه، وأنه هو أيضاً قطع العلاقة مع خلقه. لا، هذا لم يحدث، بل إنَّ الله قدّم للإنسان فعل رحمة ومحبة لا يمكن تخيُّلُهما، إذا لم يكن صاحبهما هو الله نفسه، فقد قدّم نفسه لمصالحة الإنسان بوعده له بالخلاص والنجاة من بؤسه، على يد مخلِّص وسيط، هو ابنه: "هكذا أحبّ الله العالم، حتى إنه بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية"(بو 3: 16). ميلاد ابن الله كان نقطة التحول الجديد، في مشروع تقرّب الله المرئي والملموس للإنسان. فهو في تصرفه قد أصلح الكثير مما خرّب الإنسان بسقوطه في الخطيئة، وما بقى من هذا الشر فقد وضع له علامات إلهية وإمكانيات، أوكل الكنيسة لمنحها، فإن مارسها الإنسان أو قبلها، نال نعمة النقاوة التي كان فقدها. هذه العلامات نسميها الأسرار وعددها سبعة. أمّا أوّلُها فهو سر المعمودية، مفاده أنه يمحو أثار الخطيئة الأولى أي الخطيئة الأصلية، ويُرجِع لنا النقاوة التي أفقدتنا إياها هذه الخطيئة، كما يقول مجمع تريانت (Trient 1563) "باستحقاقات يسوع المسيح يَمحى سرُّ المعمودية مفعولَ الخطيئة الأصلية". نعم بهذا السر نخلع عنا الإنسان القديم ونلبس الإنسان الجديد، المخلوق بحسب الله في البرِّ وقداسة الحق(أفسس 2: 4) + "لقد خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه"(كول. 3. 9). هنا لا بد من التذكير بأن الخطيئة الأصلية تزول بالعماد لكن مفعولها أي الشهوات والميل لصنع الشر من جديد، فيبقى فينا لأن جذورها متأصّلة في نفسنا، فمِنْ واجب كلِّ معمّد أن يبدأ بمقاومة هذه الشرور والتجارب، التي يقول عنها بولس إنها ليست فوق طاقتنا، بل بنعمة الله، الذي لا يجرّبنا فوق طاقتنا، نستطيع الإنتصار عليها. تعليم الكنيسة بخصوص المعمودية كان من البداية واضحا، إذ هي لا تضمنا فقط إلى جماعة المؤمنين بل تغسل نفسنا من وباء الخطيئة الأصلية ، فتجعل منا أبناءً لله وإخوة لابنه يسوع المسيح "جميعكم صرتم أبناء الله، لأنكم جميعكم الذين اعتمدتم بالمسيح، قد لبستم المسيح"(غلاط 3: 26) وفي أفسس يقول بولس:"لقد سبق فعيّننا للتّبني بيسوع المسيح لنفسه حسب سرِّه ومشيئته"(أفس 1: 5). "به أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبّا الآب"(روم 8: 12). سؤالنا الآن: سرّ المعمودية هو لمحو الخطيئة الأصلية من نفوسنا، فيجب أن نغتسل بهذا الماء. لكن يسوع، الذي ما لمسته الخطيئة الأصلية، فلماذا راح واعتمد؟ ألم نسمع قول يوحنا له: "أنا الذي يحتاج أن يعتمد منك وأنت تأتي إلي" (متّى 3: 14). وأما يسوع فأصرّ على أن يعتمد. وبذلك هو أراد أن يُعدَّ في صفوف البشر الذين جاؤا إلى يوحنا ليعتمدوا، ليُعلِن لهم من هو، حيث، حين خروجه من الماء، قد انفتحت السّموات وصوت الله قالل: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 3: 16-17). بيسوع هذا قد أصبح الله لنا منظورا وظهر بيننا. فهذا المشهد هو تأكيد علنيّ لظهور الله بيننا إذ أصبح إنساناً وسكن بيننا. وبمعموديتنا يؤكِّد لنا، أنّنا انضممنا إلى جماعة المؤمنين، وبما أن المؤمن هو ابن الله، فقد أصبحنا كلنا إخوة. "وأمّا أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادا"(1 كور 12: 27) وبرسالته إلى تيطس يوضح بولس ذلك قائلا: "حين ظهر لطف الله ومحبته بمقتضى رحمته، خلَّصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس، الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا" (تيطس 3: 4). فالمعمودية إذن هي ليست الإحتفال بحفلة دنيوية، ولو كانت مهمة،بل هي الإنتقال من وضع إلى أخر، من حال الخطيئة إلى حال النعمة. هي تغيير داخلي بنعمة سر العماد، هذا وبلغة بولس نسميها تطعيم شجرة بريّة لتصبح شجرة مثمرة: "إن كان قد قُطِع بعض الأغصان وأنت زيتونة برّية طُعِمْتَ فيها فصرت شريكا في أصل الزّيتونة ودسمها"(روم 11: 17). فهذا الإنتقال مُلزِم لنا من الآن وصاعدا أن نُغيِّر أيضا تصرُّفنا ونعيش في العائلة الجديدة كأبناء الله. تحتفل الكنيسة اليوم بعيد اعتماد يسوع الذي أعلن الصوت أنه ابن الله "هذا هو ابني الحبيب". والسّؤال الآن إذا كنا فعلا نشعر بأننا صرنا أبناء الله، فهل نعيش بإلهام روحه، كما قال القديس أمبروزيوس للمعمدين الجد: يا مُعمّد من الآن وصاعدا قدِّر قيمتك كإبن الله. بهذا الأحد وبهذا العيد ينتهي زمن الميلاد، وأما وجود الله معنا الآن في حياتنا وعلى طريقنا الجديد الذي يجب أن نسلكه في هذه السنة الجديدة، لتبقى سنة الله لنا نملأ أيامها بأعمالنا الصالحة، الوقت الذي يمنحنا إياه الله هو كالمواد الخام يجب أن نَسْقُلَها إلى أشياء تنفع حياتنا وعلاقتنا معه تعالى. هو أعطانا الوقت لنجعل نعمته التي منحنا إياها بعمادنا تثمر يوميا، فينا ثمارا صالحة، هذا مطلبنا وهذه أُمنيتنا. آمين.