موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الثلاثاء، ٣١ ديسمبر / كانون الأول ٢٠١٩

رأس السنة الجديدة، ويوم السلام

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا

رأس السنة 2020 يوم السلام (الإنجيل لو 2: 8-21) ... وسُمِّيَ يسوع الإنسان العربي إجمالا لا يعرف لا الوصايا الدقيقة ولا المواعيد الملزمة، بل هو اتِّكالي وطويل الرّوح. إن أحرجتَه بسؤال سريع، يجيبك دائماً بطيلة روح: إنشاء الله. هو يعتقد، ومقتنع أن الله يدير الحياة، لذا يجب الإتكال عليه قبل الإتكال على أي شيء آخر. فإن كانت هذه المقولة صادرة عن إيمان أن الله معطي ومدبر الحياة، فهذا يعني أيضا أن الإتكال عليه هو عين الصواب. وليس من الخطأ أن نقول في بداية هذه السنة: إنشاءالله، فستكون سنة خير وبركة، لأننا أقلَّه لا نتكل لا على أقوال العرّافة ولا على قراءة اليد والفنجان، إذ هذه كلها شعوذة ولا مكان فيها للثقة بالله أو الإتكال عليه. في نصف هذه الليلة ستنتهي سنة وستبدأ سنة جديدة أخرى، عدد أيامها وظروفها كسابقتها. طفل كان يوميا بمعرفة والدته، يذهب إلى الروزنامة المعلقة فوق سريره ويسحب منها ورقة اليوم. وفي أخر يوم من السنة جاء راكضا حزينا إلى أمه ليتشكى لها: - ماما! ماما! أنظري ما عاد عندنا أيام! بين حزن الطفل هذا والواقع، يريد السامع أن يضحك. ماما! ما عاد عندنا أيام! إنه من الصعب على هذا الطفل أن يفهم ما عناه، ويفهم أن الأيام تبقى سارية حتى بدون روزنامة. المهم ما نعمل كل طالع شمس في اليوم الجديد. قال المثل العامي لا يكفي أن تملأ حياتك بالأيام، بل املأ أيامك بالحياة. هذا ما يجب أن نسعى إليه في حياتنا وأيامنا. لقد طُلِب من فنّان أن يصمِّم باب كنيسة بنيت في حي جديد. فاهتم بأكثر شيء في مقبض الباب. فصممه كالتالي. مقبض الباب الذي يُمسكه الناس كي يدخلوا الكنيسة، كتب عليه: أدخل نظيفا، وللخروج من الداخل إلى الخارج كتب عليه: أخرج أحسن. وهذا مثل لنا في بداية هذه السنة، فلندخلها ناوين على عمل الخير فيها لنخرج منها محمَّلين بالنعم الإلهية الكافية، لنعيش فيها السنة الجديدة في خدمة الله والكنيسة والمجتمع الذي نعيش فيه. على ما ذكر الإنجيليان متى ولوقا، أرسل يسوع 72 تلميذا آخرين إلى كل القرى والمدن التي كان سيمرُّ فيها ليهيئوا له الطريق، وقد أوصاهم قائلا: أيَّ بيتٍ دخلتموه فقولوا أوّلاً السلام لهذا البيت!(لو 10: 4).وهذا السلام سيبقى مخيما على البيت وسكانِه لأنه من يسوع نفسِه. وللتذكير فقط، الفنان الذي هيأ مقابض الدخول والخروج إلى الكنيسة: أدخل نظيفا واخرج أحسن، يحثنا على التعامل مع بداية السنة الجديدة والخروج منها. عيد الميلاد هو عيد السلام في آخر السنة فنرجو أن يلاحقنا الدعاء إلى السلام في السنة الجديدة. لذا تعلن الكنيسة اليوم الأول من السنة يوم سلام. فرسالة الميلاد هذي هي مُرسلة من المسيح، والكنيسة والعالم هما المرسلة إليهما هذه الأُمْنِية. هو يُقَرِّبُ العالم إلى الأرض بشخصه، كإله وانسان، وهكذا هو واحد مع الله وواحد مع الإنسان، واقف إلى جانبه ليوقف عنه قوى الشر والشّرير عند حدِّها. هناك ترنيمة لزمن الميلاد تقول. "إفرحي أيتها السماء وابتهجي أيتها الأرض، إذ الله والخاطئ هم الآن أصدقاء". فإن أهدانا الله ابنه وروحه، فهو يحوِّل المستحيل ممكنا، أي يربطنا مع بعضنا البعض، حتى تزول كراهيتنا لبعضنا البعض، فنصبح سواسية ويصبح السلام القاعدة بيننا. وبما أنه ملك السلام فقد جعلنا أيضا أبناء سلام، نستطيع توزيعه بأمره على بعضنا البعض. فهذا سرّ يفوق فهمنا (فيلبي 4: 7). فكم مرةً يتمنى بولس السلام للذين يكتب لهم، إذ السلام هو ثمرة الروح القدس (غلاط 5: 22). " عيشوا بالسلام وإله المحبة والسلام، سيكون معكم" (2كور 13: 11). هذا السلام هو السلام الذي تركه يسوع لتلاميذه وهو هديته الدائمة في يده، لها وللمنتمين إليها. فإن غاب السلام عنهم لحظة فهذا يعني هم أنفسهم غيبوه عن بعضهم. فليبق مطلبنا في بداية هذه السنة أن نعيش بسلام مع بعضنا البعض ونشهد للسلام فهو ممكن، إن بقينا نحن أبناء ومرسلو سلام في هذا العالم. أول يوم من السنة الجديدة هو معروف ومعترف به من الستينات من القرن الماضي كيوم سلام عالمي. وهو اليوم الذي نسمع فيها أكثر ما يمكن من التهاني والأدعية لبعضنا البعض بسنة خير وسلام. وسنويا بهذه المناسبة تُسمع الكنيسة صوتها بصوت البابوات الذين تناوبوا على قيادتها منذ ذلك الحين، وكان هو البابا القديس بولس السادس، الذي هو أول من دعا إلى الإحتفال السنوي بهذا اليوم, فكم من منشور وكم من خطاب وكم من اجتماع وكم من لقاء وكم من مشاورات أحيتها وحمتها الكنيسة أو تمّت برعايتها منذ ذلك الزمان، لإيجاد سبل لإحلال، وإنهاءالحروب والمناوشات، لتعيش البشرية بأمان ورخاء وسلام. لكن للأسف، كأن آذان المسؤولين عن السلام مصمومة عن سماع صوت الكنيسة وأقوال التوراة والمسيح عن السلام ،بينما هم مهووسون بإشعال الحروب واستعمالها كوسيلةِ تبريرٍ لنواياهم الخبيثة المبطَّنة، وهي اختراع الأسلحة بحجة الدّفاع عن النفس، لكنّهم يُخفون عنّا أنّ إنتاج السلاح هو الدّاعم الأوّل للإقتصاد الدّاخلي، وهم لا يستغنون عنه، لذا فطريقهم معاكس ولن يذوق لا زمانُهم ولا شعوبهم التي يحكمونها طعم السلام. هذا مقطع من رسالة البابا فرنسيس ليوم السلام للعام 2020: إن مجتمعنا البشريّ يحمل، في ذاكرته وفي جسده، علامات الحروب والصراعات التي حدثت وقد ازدادت قدرتها التدميرية، والتي ما زالت تصيب بشكل خاص أفقر الناس وأضعفهم. حتى إن دول بأكملها تكافح كي تتحرّر من سلاسل الاستغلال والفساد التي تغذّي الكراهية والعنف. ويُحرَم الكثير من الرجال والنساء والأطفال والمسنين، حتى في أيامنا هذه، من الكرامة والسلامة البدنية والحرّية، بما في ذلك الحرّية الدينية، والتضامن المجتمعي والرجاء بالمستقبل. ويحمل الكثير من الضحايا الأبرياء عذاب الإذلال والإقصاء والحداد والظلم، وحتى الصدمات الناجمة عن الاضطهاد المنهجي ضدّ شعبهم وأحبّائهم(رسالة فرنسيس للسلام. . من لا يحن إلى السلام والأمان والطمأنينة، وبالمقابل من لا يكره الحرب والقلاقل المفتعلة؟. إن الشعوب التي تعيش في سلام هي المتقدمة ثقافيا ودينيا وسياسيا ولنقل أيضا اقتصاديا. بينما الشعوب التي تعيش قي دوامة الحروب فهي متخلِّفة ثقافيا وإنسانيا ودينيا، ولنقل أيضا اقتصاديا، إذ هي تهدر خيرات بلادها لقتل وتجويع الملايين عمدا وظلما. على المسؤولين أن يبدأوا بتدمير السلاح النووي وإلا فإن السلاح النووي سيدمر البشرية. كم خطاب نسمع وكم قرار سياسي يصدر خلال السنة، تطالب بالسلام، لكن العالم من سنة إلى سنة يعيش حروبا أكثر، ودَوِيُّها يمنع الإنتباه إلى النّداآت من أجل السلام. يقول المثل العامّي: النطق هو فضة وأما الصمت فذهب. لكنني أقول لقد حان الوقت للتكلم عن السّلام وليس الصمت. كفانا حروبا وتدميرا، كفانا أسلحة دمار وخراب. كفانا عِداءً وتقتيلا. فلفائدة من تقوم الحروب؟ فقط لمنتجي السلاح وإفقار البلاد من ثرواتها، لمصلحة القلة القليلة من المتسلّطين ومحبّي الحروب. نعم لقد عاد النطق عن السلام والدفاع عنه ذهب. مستقبل العالم والبشرية هو ليس في الحروب ولكن في السلام. فمستقبل بدون سلام، هو وهم وخدعة رومانية قديمة، إذ أقنعوا شعوبهم بالمقولة المشهورةse vis pacem para bellum أي إن أردتم السلام فاستعدوا للحرب. وهذا ما أخذه عنهم اليوم حكّام كثيرون في عصرنا الحاضر، غير مقتنعين أن طريق السلام ليس الحرب، إنما احترام حق الخلق والمخلوق على حدٍّ سواء. كل سنة تختار هيأة الأمم رجل سلام السنة، تقديرا لجهوده ومواقفه في أعمال وساطة مفيدة للبشرية ،لا لمصالح خاصة. من ينكر فضل سفينة أنامور وعمالها من كل الجنسيات وهمهم حماية اللاجئين في عرض البحار من قرصنة المعادين لهذه الفئة المتألمة في بلادها، والتي لم يبق لها من أمل، إلا أن تترك ما تملك في سبيل أن تنجو من الإضطهادات وخراب بيوتها بل وتدميرها، إن لم تدفع جزية لمُحتلِّ بلادها. أما كان مهزلة من الرئيس الأمريكي ترامب، أنه رغم كل ما يقترف من هضم حقوق لدول عديدة وخاصة للنازحين على حدود المكسيك ومنعهم من الدخول إلى الولايات الأمريكية، لا شعوري وبالتالي يرشّح نفسه بنفسه لجائزة نوبل السلام 2019؟ هل هو مثال يُحتذى أم في هذا المعنى يُحْتَقر. ماذا عمل من أعمال سلم تساعد وتنفع الناس حتى يسمي نفسه رئيس السلام في العالم. أليس هذا احتقار صارخ واستهتار بحق فاعلي السلام الحقيقيين؟ طوبى لفاعلي السلام، قال يسوع، فهم أبناء الله يدعون. من لا يقر ويعترف أن طريق السلام وعر ومشعّب، إذ كلُّ مسؤول له فكرتُه لفرض السلام، علما بأن السلام لا يُفرض فرضا ولا يحتمل ربطه بشروط تهظم حقوق أحد أو تفضِّل أحداً على أحد، وإلا فهو ليس سلاما. السلام بالتالي هدية من الله ويجب أن نطلبها، وإن عن غير استحقاق. في ليلية الميلاد، كما وصفها لنا الإنجيلي لوقا، ظهر جوق ملائكة لرعاة مع أغنامهم بشّرهم بميلاد الطفل الذي سيخلّص العالم "قد ولد لكم اليوم المخلص في مدينة داؤود"، وانضم إليهم جوق آخر مرنّمين: المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام (لو 2: 14). فقوة الله وعظمته تتجلى بأنه يريد السلام على الأرض لا الحرب. كذلك كلمات أشعيا تصف أن قوّة الله وجبروته تتجلّى بأنه قادر أن يحكم بين الشعوب فيجعلها تسِنُّ سيوفها سككا وأسنّتهم مناجل، فلا ترفع أمة على أمّة سيفا ولا يتعلمون الحرب من بعد (أشع. 2: 4)، هو ربّ السلام، هو رسول السلام: أَمَا سيقول لنا: سلامي أمنحكم,، سلامي أعطيكم. لا كما يعطيكم العالم أُعطيكم أنا. إذن بمجيئه تغيّرت مفاهيم العالم عن السلام، بميلاده أخذ السلام طريقه إلينا. سلام الله يأتي على الأرض، حيث يفتح الإنسان قلبه لاستقباله. سلام الله يأتي حيث يأخذ التسامح لا الحقد مكانا في العالم. سلام الله يأتي حيث تُعطى للمظلوم حقوقه ، إذ العدل والعدالة هما اللتان تخلقان السلم والسلام.. إن أسباب منع السلام من الحلول على أرضنا كامنة فينا. إذ السلام يأتي من الداخل، لكن فينا كامن فايروس الغباوة والكبرياء، مسؤول عنه بعض حكام العالم، إذ بيدهم شعلة نارية لا تنطفئ، يشعلون فيها نار البغض والكراهية في غيرهم. فمتى يا ترى يعودون إلى الصواب ويبدلون المشعلة بمطفأة، عندها سيرون النتيجة بحيث يزول الحقد والبغض، ويتصافح الناس ويعم السلام. إذن هم البشر الذين يمنعون حلول السلام بيننا وعلى أرضنا. نعم السلام الذي بشر به الملائكة يأتي من السماء. يأتي إلى العالم كطفل بسيط، يحتاج إلى عناية، إذ كل طفل هو علامة بداية جديدة، أمامها مستقبل كبير. ماذا سيجدث لنا في هذه السنة؟ هذا لا يزال غامضاً. كيف سيتطوّر العالم في هذه السنة؟ وهذا أيضا لا يزال مخفيّاً. لكننا نعلم أن الماضي قد انتهى ولا بد أن يحدث شيء جديد يأتينا من فوق تؤكده لنا بشارة الملائكة. وإنشاء الله سيتحقق لنا منه شيئ في هذه السنة، ألا وهو السلام.