موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١١ يونيو / حزيران ٢٠٢٠

دعا يسوع الإثني عشر وأرسلهم

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
الكهنوت ما هو وظيفة شرف وافتخار دنيويّة، بل هو خدمة ووقوف بجانب كل أبناء الرعية

الكهنوت ما هو وظيفة شرف وافتخار دنيويّة، بل هو خدمة ووقوف بجانب كل أبناء الرعية

 

الأحد الحادي عشر من زمن السنة

 

الإنجيل متى 9: 16-18 ثم 10: 1-8

 

الكنيسة اليوم بانفتاح العالم على بعضه، أصبحت محطّ أنظار الإعلام والصحافة الحرّة، فما عاد من جريدة، إلاّ وتتطرّق إلى نشر هذا أو ذاك الخبر عن الكنيسة، لكن للأسف، إنّ أكثرَ ما يُكتب عنها هو سلبي وانتقادي، كقولهم: الكنيسة غنية! الكنيسة رجعيّة بأفكارها وتعليمها، لا تتماشى مع العصر، كأن الديانة تتغير بحسب الآراء أو الأكثرية بالتصويت، كما الحال في البرلمان. أمّا أن يُكتب عن دورها الكبير في التربية والمشاريع الإجتماعية، كالمدارس والمستشفيات وملاجئ العجزة، أو لمساندتها في تبشير رسالة السلام وتعليم سيِّدها ومؤسِسها يسوع المسيح، فهذا نادر. لكن مثلما قال المثل الدّارج: يا جبل ما يهزّك ريح! وبكلمات يسوع: لا تخافوا، إنّ أبواب الجحيم لن تقوى عليها! فهي مُؤسّسة إلهيّة، لا يُزعزِعها، لا طوفان ولا هزّة أرضيّة، لا مقالات هدّامة ولا تهجُّمٌ مقصود ومُغرض، إذ شروشها عميقة ومتينة. خاصّة وإنَّ مؤسّسِها وراعيها هو يسوع المسيح ابنُ الله: انت بطرس-الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي. وهذا ما نفهمه من مقطع إنجيل اليوم الذي سمعناه، فهو ليس أيُّ إنسان، ذاك الذي قال: يسوع هو الراعي، بل يسوع نفسه، قال عن نفسه: أنا الرّاعي الصالح. الرّاعي يبذل نفسه عن الخراف.

 

في خطابه الوداعي ساعة العشاء الآخير، لمّا علم يسوع أنّ ساعة انتقاله من هذا العالم قد اقتربت، مرورا بموته وصلبه، وبالتالي بقيامته وصعوده إلى السّماء، افتكَرَ مُسبقا بإدارة كنيسته من بعده، فأعطى تلاميذه مهمة رعايتها ونشرها وتقديسها بالأسرار الخلاصية، التي وضعها بين يديها ولكلٍّ مراحل الحياة: إذهبوا واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلِّها... خذوا الرّوح القدس، من غفرتم خطاياهم تُغفر لهم. هذا وإنّ إنجيل هذا الأحد ليصف مفصّلا ما مهمة الراعي أي الكاهن في الحضيرة أي في رعيته. فمن الضروري أن نعرف أن مهمة الكاهن، هي نفس مهمة يسوع، وهي خلاص البشر. وقد ألمح متى الإنجيلي عن ذلك بقوله: وكان يسوع يطوف في المدن كلِّها والقرى، يُعلِّم في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مَرضٍ وضُعفٍ في الشعب (متى 9: 35).

 

تأسيس الكنيسة هو نوع من الخلق، بطريقة جديدة. فكما خلق الله العالم، وسلّم عنايته لآدم وحواء، كي يحموه ويأكلوا من ثماره بعمل أيديهم (تك 1: 28)، كذلك خلق يسوع الكنيسة وسلّم رعايتَها للتّلاميذ وخلفائهم، ليقبلوا الّذين ينضمّوت إليها. إذن، هم لا يقومون بالعمل لأنفسهم أو لمرابح خاصة كما في التّجارة، إنّما لرعاية وقيادة وخدمة زتكملةَ بناء الكنيسة، التي تعني الكنيسة، كي تَصلَ بشارتُه إلى كلِّ النّاس، فيصلوا أيضا إلى معرفة الله وخلاصهم الأبدي. إذن هو يسوع، الذي أراد أن يتمّ  بناءُ الكنيسة بهذه الطريقة، أي على يد البشر. هو مؤسس الكنيسة لكن لأنها للبشر، فقد سلّم قيادتها للبشر الّذين يقودونها

 

للأسف ما نلاحظه اليوم هو قلّة العمّال، ولنقل مُسبقا، هذا ليس فقط في الكنيسة، بل وفي كلّ مؤسسة، تقوم على العمال. المدارس فيها نقص للمدرّسين. التمريض، الطّب يحتاج للكثير من الأطبّاء. الممرِّضين لتأدية والقيام بالخدمات الطبّية المطلوبة، البناء، الهندسة، المخابز، المتاجر، المصانع على أنواعها... كلّها تتألّم من نقص في اليد العاملة فيها، وهذا يعني إما الإقتعاس أو الإفلاس وتسكير الشركة. كمن يريد بناء بيت، وفي نصف المشروع تنقص المواد الضروريّة. إذن وظائف شاغرة كثيرة، بإمكان المجتمع أن يستوعبها، وهذا يخفّف من أزمة البطالة والفقر.

 

هذه أزمة ُ عصرِنا: العمل كثير لكن العمال قليلون. ألم يتَشَكَّ يسوع في زمانه من هذه الأزمة، حتى لا نسمّيها كارثة؟ وكيف ابتدأ إنجيل اليوم؟ " لمّا رأى يسوع الجموع، أخذته الشفقة عليهم، لأنّهم كانوا تعبين، رازحين، كغنم لا راعي لها". لقد مضت فترة ليست بقصيرة، كان النّاس فيها يفتكرون أنّ عمال الكنيسة هم فقط الطبقة الكهنوتية الوحيدة المسؤولة عن التبشير، كما كانت الحال عند اليهود، لمّا وصل الشعب إلى أرض الميعاد، فقد قسّموا الوظائف إلى فئتين: نسل موسى لحمل السّلاح والدّفاع عن الوطن والمواطن. ونسل شقيقه هارون، لخدمة الهيكل وترأُّس الصلاة مِن قِبَلِ رئيس الكهنة ومعاونيه الكهنة الآخرين، الّذين يمثُّلهم اليوم الأساقفة وكهمّنُهم اليوم.

 

لقد درج على الألسُن أنَّ الكهنوت هو وظيفة، وهذا خطأ بالمعنى الحَصري. فالكهنوت ليس وظيفة كباقي الوظائف لكسب المال، ولو أنَّ العامل يستحقُّ أُجرته ليعيش. وأمّا أنَّ الإنسان يختار الكهنوت ليكسب ويربح المال، فهذا ليس بالوارد. وللطمأنة فقط، أقول الكاهن لا يجوع، والّذي يحتاجه مرارا وبالأكثر، هو ليس الطّعام، بل الوقت الكافي لتناول الطّعام، وإنني أقول هذا عن خبرة، فأنا لي 55 سنة في هذه الوظيفة، وأعرف ماذا أعني.

 

الكهنوت ما هو وظيفة شرف وافتخار دنيويّة، بل هو خدمة ووقوف بجانب كل أبناء الرّعية الّتي تعيّن فيها. "فليكن كبيرُكم صغيرَكُم وخادماً للكلّ" (لو 22: 26). وهي وظيفة لا تُشترى بمال أو برطيل، بل هي اختيارٌ إلهي، للخدمة نيابةً عن المسيح. "إنّ كلَّ رئيس كهنة مأخوذ من النّاس، يُقام لأجل النّاس في ما لله، لكي يُقدِّمَ قرابين وذبائح عن الخطايا (عبر 5: 1).

 

في كثير من الدّيانات، خدمة الهيكل هي مُتوارَثة في العائلة أو الحمولة، كما كان في اليهودية، دون النظر إلى المؤهلات أو الإستحقاقية . ولكن هذا غير وارد في الكنيسة، إذ الكهنوت هو دعوة إلهيّة، مثلما دعا يسوع  تلاميذه، فهم كانوا من طبقات الشعب الكثيرة المعروفة، أوّلهم كانوا صيادي أسماك على بحيرة طبريّا، "مرّ يسوع من هناك ورأى سمعان وأخاه أندراوس يلقيان شباكهما، فقال لهما: إتبعاني فأجعلكما صيّادي ناس، فتركا الشِّباك وتبعاه على الفور (مر 1: 17). ثم تابع طريقه فرأى شابّاٌ فقال له: إتبعني! (متى 8: 22). هو لم يختر لا متعلّمين ولا لاهوتيّين، بل فقط برأيه مُستحقّين وقادرين على تحمّل المسؤولية. أما هؤلاء الّذين اختارهم فما كان لهم علم بما سينتظرهم. رافقوه 3 سنوات. سمعوا أقواله وأمثاله ومتطلّباتِه منهم ومن السّامعين، فكانت هذه الفترة بمثابة الدّراسة التي يتلقّاها طلاّب الكهنوت اليوم في المعاهد الإكليريكية، يتبعون تدريسا علميّا وعمليّاً، مبنيّاً على الثّقافة الدّينية التي سيهتمّون بنشرها كل حياتهم، وهي غرس مبادىء الإيمان والتبشير برسالة المسيح. لكن بما أن العالم اليوم تقدّم ووصل إلى درجة من الثقافة والعلم، فما عاد الكهنوت يحتمل الجهالة والأمّيَّة. لذا فهناك بعض الشروط، من المتقدِّمين إلى الكهنوت، منها المقدرة على استيعاب ثقافة واسعة والتّعمّق في الإيمان علما وعملاً، أي بمحبة للتأمل والصلاة والإطلاع الشامل بالتوراة. كما وهناك شرط  مهم، أي التضحية بالنفس للتفرُّغ التّام للخدمة الكهنوتية، وهي القبول والمقدرة على الحياة العزوبية، والتضحية بسرّ الزّواج، ليعيش الكاهن بعيداً عن الهموم والمشاكل الُّنيويّة التي تقف عائقا للقيام بالمهام المجتمعية، والتي لا يمكن التفرّغ لها لو كان عنده عائلة. "إني أريد أن يكون كلُّ النّاس مثلي... أقول هذا على سبيل الإذن لا على سبيل الأمر. لأنَّ مَن دُعي في الرّب، فهو عشيق الرّب" (1كور 7، 2 و6 و32).

 

المدعوّون كثيرون وأمّا المختارون فقليلون. نحن نعلم أنَّ الكاهن لا يولد كاهنًا، بل يصبح كاهنًا. ولكن لكي تظهر الدعوة الكهنوتية فيه وتتحقق، فهذا تتطلّب بيئةً مُعيّنة، تلدُ فيها الّهوية وتترعرع، ونقول، وهذا صحيح، إنَّ أنسب بيئة تلد فيها الدّعوات هي بالدّرجة الأولى العائلة. فالدعوة هي كالنبتة الصغيرة تحتاج إلى جوٍّ ملائم كي تَنبت ثمّ إلى عناية خاصة كي تُثمر. أما وإن بحثنا غن سبب قلة الدعوات اليوم، فهو لأن العائلة ما عادت، وسط الأجواء العولميّة وتوابعها، ومن أكبرِها هو ضعف الإيمان. الإيمان هو العش الرسمي الذي تلد فيه دعوات الكنيسة وتؤمِّن لمَهامِّها الكثيرة عُمّالها. فبحقٍ نقول: العمل كثير لكن العملة قليلون. إن الكنيسة لا تستغني عن الكهنوت، لذا فهي لا تفتأ ترجع إلى الوسيلة النّاجعة، التي أوصى بها يسوع، وهي الصّلاة. إسألوا ربَّ الحصاد، كي يُرسل عملة إلى حصاده. وهذا ما يردّده البابوات في كل مناسبة: خاصة في أحد الرّاعي الصّالح (الأحد الرّابع بعد الفصح)، كما ويدعون الشبيبة عند اختيار وظيفة حياتهم، أن يفكروا أيضًا في الكهنوت. لكن لا يجوز أن نقتصر صلاتنا على أحد واحد، لأن الكهنوت لا يأتي بعمل سحري. ألا اعلموا أنّ كلَّ ما تطلبونه من الآب باسمي يعطيكموه، حتى الدعوات الكهنوتية.