موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأربعاء، ١ يوليو / تموز ٢٠٢٠

تعلّموا مني أنّي وديع ومتواضع القلب

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
الأب منويل بدر

الأب منويل بدر

 

الأحد الرابع عشر (متى 11: 25-30)

 

ممّا لا شكّ فيه، أنّ العهد الجديد، يرى في يسوع النّاصري، المسيحَ المنتظر، الذي تكلّم عنه العهد القديم، وتنبّأ بمستقبله. قال عنه إنّه سيكون رسول السّلام، وكالرّاعي سيرعى شعبه ويقوده إلى ينابيع مياهٍ عذبة. لكن صفة الصّفات، التي تتكرّر، كاللازمة في أغنية معروفة، كانت كلمة الملك. من المُؤكّد أنّ الأجيال السابقة إجمالا، خاصة في القرون الوسطى، كانت تعتبر نفسها محظوظة ومُميّزة، إن كان يملك عليها ملك، وتعتبره مفخرة ً لها، إذ للملوك كانت صفات خاصة: هي انه قريب من شعبه، يؤمِّن له الحماية ضد الأعداء، وخاصة يؤمِّن له المأكل والمشرب، إذ قصره كان مخازن عامة للشعب، كالملك فرعون. حتّى في مجاعة السبع سنين، التي أرسلها الله على الشعوب، كانت مخازنه معبّاة وقد أقام حارسا عليها يوسف، الذي أنقذ إخوانه بتمويلهم الكافي حتى انتهت سنون الجوع. وأما شعوبنا اليوم فما عاد يهمّها هذا اللقب.إذ دور الملك ما عاد فعّالا بين شعبه، ووظيفته وعمله صارا مقتصرين على تمثيل الشعب والظهور في الحفلات الإستعراضية المهمة، أو زيارة بلاد، يفرح النّاس فيها لمشاهدة شكل الملك أو لبسه، وقراءة بعض الشيء عنه في الجرائدة الصباحيّة.

 

وأما نصوص قدّاس الأحد اليوم، بما فيها الرّسالة والإنجيل، فهي تقّدم لنا يسوع، بقلبٍ رقيق، ومن لحم ودم، بما يتكلّم به ويدعو له. فكأنه يُناجي كل شخص، ويريد أن يُكلِّم كلَّ شخص ويقف إلى جانب كل شخص، يوآسيه، يُعزّيه، يشعر معه: تعالوا إلي... أحمدك يا رب، لأنك تعتني بالصغار لا بالكبار والمتكبّرين.

 

السؤال المهم لنا، هل نحن نؤمن بأن يسوع هو أيضا ملك ومخلص ورسول سلام لنا ولعصرنا؟ إن التّاريخ ليحتفظ بذكرياتٍ، ليس فقط محزنة بل وسيئة لبعض الشخصيات، التي عرفها، سواء السالفة اوالمعاصرة، والتي أمضت كل وقت ملكها أو حكمها بالقتل والتعذيب والتنكيل والحكم الظالم، لمواطنيها وجيرانها؟ هل غاب عن بالنا عصر نيرون؟ وهو عصر دائم، وننتقل رأسا إلى عصر هتلر والخميني والقذافي وصدام حسين وبوش سواء الأب أو الإبن وشارون؟ كلها أسماء لن يلاقي التاريخ لهم في سجلاّتهم عمل خير يُذكر. وتحت حكم ظالمين كهؤلاء، ما حصل إنسان على حق له ولو بسيط. بينما حكم المسيح فهو من عيارٍ ومقياس آخر، وأعلى بدرجات ممّا نعرف أو نتصوّر عن ملوك العالم وحكّامه.

 

ابتدأ كطفل وضيع وُلِد في مغارة، لأنه لم يكن له، لا بيت يسكن فيه ولا حجر يلقي عليه رأسه. ولمّا حاول الشيطان أن يبرطله بأموال طائلة لامعة، ليقيمه ملكا، رفضه ورفض البراطيل التي قدّمها له: لا تُجرِّب الربَّ إلهك. ولمّا أراد بطرس أن يدافع عنه بالسيف قدام الفريسيين، أمره برد سيفه إلى غمده: لأنَّ من يأخُذُ بالسّيف، بالسّيف يُؤخَذ. ولمّا ظهر مُكبَّلاً أمام بيلاطس بتاج ملك ومعطف السلطة، لم يتوانى بنفي الملوكية المُزيّفة المعطاة له: أنت قلت إني ملك، فلو كنتُ ملكا لطلبت من أبي أن يرسل لي جيوشا تحررني من يدك. وسيق إلى الموت مُكبّلا، وكالحمل لم بفتح فاهه. فلم يذكر التّاريخ ملكاً سِلمِيّاً مثله.

 

ولأنه كان ملكا مُسالما، ولم يرفع سيفاً، ولم يُنادي بمقاومة المُستعمِر، الذي كان يجول ويصول في أرضهم ويدنِّس معابدهم، رفضه اليهود، وراحوا يُفتّشون عن ملك أقوى، يستطيع الوقوف بوجه المُستعمِر يخلِّصُهم من نير الإستعمار اللاديني في مدينتهم المقدّسة. هم الّذين ما شابههُم شعبٌ بالتّمنّي والحنين لمجيء مخلص ينقذهم فبل كلِّ شيء من سلطة الإستعمار السياسي. فأكثر العبارات في صلواتهم كانت الإسترحام والتّوبة حتى يأتي المخلّص. ولما أتى رفضوه وقالوا: دمه علينا وعلى بنينا! لأنه أفهمهم أنه ليس مخلِّصا سياسيّا بالدرجة التي كانت في رأسهم.

 

كم نتمنّى نحن أيضا، (نقول ذلك بصوت منحفض) لو أنّ يسوع يَظهر فعلا من جديد، ملكاً قويّاً ليخلِّصنا من مظالم حكامنا الغير عادلين، لكنَّنا ننسى أنّ هذا اللقب بهذه الصفات البشرية غير لائقة به. فإنَّ مملكته، وإن كانت في هذا العالم، فهي ليست من هذا العالم، وهي غير شبيهة بالممالك البشرية وأهدافها. مملكته لا تقوم على المُناحرة والمنافسة وتعزيز السلطة، إنّما نجد صفاتَها في صلاة مقدمة عيد يسوع الملك، وهي: مُلك حق وحياة، مُلك قداسة ونعمة، مُلك عدالة وسلام. فَلِنَشر ملكوتٍ هذه صفاتُه، نحن لسنا بحاجة لا لجيش بسلاح، ولا لحروب طاحنة لنشره، بل فقط اقتناعٌ من رسالته وزرعها في القلوب، بل ونشرها بوسائل سلمية. ونحن متأكّدون أنّها ستعطي ثمارا، لا بين الأقوياء والمتكبِّرين، وإنما بين الصغار ومتواضعي القلوب والمظلومين. هذه الطبقة كانت من الطبقة المحتقرة والمغضوب عليها عند الفرّيسيين. ومن لم يكن من نسلهم أي نسل إبراهيم، كانوا يعتبرونه درجة أقل، وغير أهلٍ لدخولِ الجنة، المحجوزة لنسل إبراهيم فقط، وأمّا يسوع فجاء لمثل هذه الطبقة: المرضى هم الّذين بحاجة إلى طبيب. وإنّ الله أباه، قد أرسله ليبشِّر الفقراء والمسساكين. وهو قادرٌ أن يقيم من هذه الحجارة أبناءً لإبراهيم.  فليس أذن صحيحا ما يعلِّموه، أنَّ الجنة هي فقط لأبناء إبراهيم، كما هذا الإدّعاء أيضا خطأ في الإسلام، الّذي يُعلِّم أنّ الجنّةَ بسماآتها السبعة، محجوزة للمؤمنين بالإسلام فقط على اختلاف طبقاتهم.

 

يمكننا أن نتصوّر غضبَ الفريسيين على مناقضة يسوع لهم في هذه النقطة، أي أنَّ السّماء ليست حصنا لهم فقط، لأنّهم نسلُ إبراهيم. السّماء هي البيت والمسكن الأخير، سواءٌ بسواء، لكلِّ من عمل الخير، من أيِّ جنسٍ كان، كما وأيضا لكلِّ مَن عمل الشرّ في حياته وتاب، كاللّص عن اليمين: لك أقول، اليوم تكون معي في الفردوس (لو 33. 43)! يسوع كان دائما يعلِّم الحق، ويُصحِّح الغلط في تعليم الفريسيين: إنّ أفكاري غير أفكارِكم. بتعليمه كان يهمُّه إيصالُ القِيَم والحقائق لا المناصب والمناظر.

 

هذه السلطةَ أوكَلَها لكنيسته. وهي تسير على خطاه، رغم المنتقدين والمعادين، بقولهم الكنيسة رجعية. الكنيسة قديمة. الكنيسة لا تتطوّر. الكنيسة لا تُماشي العصر ووو....مثلا في منع الإجهاض أو الطلاق والدخول في زواج جديد، والأسوأ من ذلك: الموت على الطّلب لتحاشي الألم. من يقول هذا، هو لم يفهم شيئا من تعليم ودور وأهداف يسوع وكنيسته. فهي ليست حزبا سياسياً يجب أن تتغيّر بتصويت الأكثرية، ويحلَّ محلّها حِزبٌ جديد. تعليمُ ورأي الكنيسة ثابتان، لا فرق إنْ كان وهو لليوم أو إلى الأبد، تعليم يسوع ورأيُه، لا يتقلَّب ولا يتغيّر حسب تقلُّبات ورغبات الساعة. فيا أيها المؤمن، كن مطمئنّاً، إذ لو رجع يسوع اليوم فهو سيقول وسيعلِّم ما علّمه وقاله قبل ألفي سنة.

 

ففي عالم مسلّحٍ بجميع أنواع الأسلحة، وتهيأتُه لخوض حرب في أي مكان أو زمان يريده حُكّامه، وحيث الكلمات: السلام والعدالة والتسامح والمحبّة الأخوية لا مكان لها على لسانهم، لا تلعب الأسلحة أيَّ دورٍ في ملكوت يسوع: بل من يأخذ بالسّيف بالسّيف يُؤخذ (متّى 26: 52). إن الملك السّماوي، يقول النبي أشعيا: الرّب يقضي بين الأمم ويُنصف لشعوبٍ كثيرين فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل. لا ترفع أمّةٌ على أمّةٍ سيفا ولا يتعلّمون الحرب في ما بعد" (أشع. 2: 4).

 

عالمنا سيبقى منقسما على بعضه، تكثر فيه المناوشات والحروب والأسلحة التي تخيفه هو نفسَه، ما دام لا يرجع إلى العمل بوصايا الله. ما دام فيه سلاح واحد للتخريب، فلن يحلّ فيه سلام، والّذين ينتجون أو يستعملون هذا السّلاح، لن يكون لهم مكان في الفردوس، الذي هو مسكن الصغار والمظلومين والمضطهدين وضحايا المتسلِّطين: تعالوا إليّ، يا مباركي أبي... ولكن إذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النّار الأبدبة، المُعدَّة لكم منذ إنشاء العالم (متّى 25: 46). طوبى لفاعليّ السّلام فإنّهم أبناء الله يُدعون. سلامي أعطيكم، سلامي أمنحكم. ليس كما يعطيكم العالم أعطيكم أنا. أليس هذا خبراً ساراً لنا ولكلّ!ِ من يؤمن به وبكلامه؟ آمين


 

نهاية العالم والحكم النّهائي (لو 21: 5-19)

 

هَذهِ الدُّنيا فانِيَةٌ ولا شيءَ فيـها مُؤَبَّد

أَنْتَ وَحْدَكَ الباقيْ أمّا عُمرُنا فمُحدَّد

 

سَتُرْسِلُ علاماتٍ سابقَةٍ فيها تَحْذِيرٌ لِإِنْذارنا

كاخْتِفاءِ الشَّمسِ والقَمرِ فَجأَةً تَحْتَ أنظارنا

 

ثُمَّ تَكْثُرُ الحروبُ والْمُناوشاتُ والإقتتال

بَيْنَ الخيرِ والشَّرِّ عَلامَةٌ ما فيها اعتدال

 

شَعْبٌ سَيُقاتِلُ شَعْباً وأُمَّـةٌ تَنْقَلِبُ علـى أُمَّه

وأَوْبـاءٌ وأمراضٌ تَحُلُّ بِنا بِأَنْواعِها الجَمَّه

 

زلازِلُ مِنْ تَحْتِنا وفياضاناتٌ مِنْ فوقنا

فلا مَجـالَ لِلْهَرَبِ إِذْ لا مَنْفَذَ مِنْ حولنا

 

سَيَقْتادُونَكُمْ إلى الْمَحافلِ والْمَجامِعِ كَمُجرمين

لَكِنْ لا تخافوا سأُعْطيكُمْ حِكْمَةً للدِّفاعِ الأمين

 

عَدوُّكُمْ هُوَ إبْليسُ فَسَيُقْنِعُ بَعْضاً مِنْ أَهْلِكم

أنْ يُقيموا الشُّكاوي والإِفْتِرآتِ كِذباً عليكم

 

لا تَخافوا مِنْهُمْ ولا تَرْعَبُوا بَل أُثْبُتوا بمحبّتي

حتّى وإِنْ قَتَلوا جِسْمَكُمْ فروحُكُمْ حَيٌّ بقدرتي

 

ستأتي الملائكةُ تَقودُنا أمامَكَ للإسْتِنْطاق

فَعَنْ يمـينِكَ أوْ يسارِكَ مكـانُ الإستحقاق

 

مَنْ عَمِلَ الصّالِحاتِ سيجلِسُ مَعَ المُبارَكين

أمّا مَنْ عَمِلَ السّيئاتِ فَنَصِيبُهُ مَعَ الهـالكين

 

أعْمـالُنا وأقوالُنـا وتصرُّفاتُنا مَعَ بَني جِنْسِنا

هِيَ الّتي ستحْكُمُ علينا لِلْمجْدِ الأبديْ أَوْ للفنا

 

سَتَظْهَرُ لنا فِيْ كِتـابٍ بينَ يديكَ كلُّها مُسَجَّلة

مِنْهُ سَنَعْرِفُ إنْ كانتْ هِيَ مُحرَّمةٌ أو مُحَلَّلة

 

فكلَّ ما عَمِلْناهُ للمُحتاجينَ والكِبارِ والصِّغار

ستقولُ لنا: لي فعلتموهُ وهذا يَستأهِلُ الأَجَار

 

تعالُوا رِثُوا المُلْكَ المُعدَّ لكمْ مُنْذُ إنشاءِ الخليقه

أَنْتُمْ مُباركوا أَبـي لأنكُمْ عَمِلْتُمْ وعلّمْتُمُ الحقيقه

 

أمّا الأشرارُ الّذينَ ما وَعَوْا وافْتَكَروا بغَيْرِهم

فقصاصُهُمْ واضِحٌ وأعمالُهُمْ ما كانتْ لِخيرِهم

 

إِذْهَبوا عنّي يـا أَوْلادَ الأفـاعي إِلـى جَهنَّمِ الأبديّه

لقدْ خَسِرْتُمْ حياتَكُمْ وما مِنْ أحدٍ يَدْفَعُ عنكُمُ الفِدْية

 

أمّا نَحْنُ فَنُؤمِنُ أَنَّ مَوتَكَ على الصَّليب

كانَ خَيْرَ بُرْهانٍ لِخَلاصِنا بِكَ يا حَبيب

 

فَلَكَ مِنَّا على هذا البُرْهانِ السَّاطِعِ الأكيد

كُلَّ المَحَبَّةِ والشُكْرِ والعِرْفانِ يوميّا يزيد