موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٩ أكتوبر / تشرين الأول ٢٠٢٠

المدعوّون كثيرون، أمّا المختارون فقليلون

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
المدعوّون كثيرون، أمّا المختارون فقليلون

المدعوّون كثيرون، أمّا المختارون فقليلون

 

الأحد الثامن والعشرون (الإنجيل متى 22: 1-14)

 

أمريكا معروفة بأنها بلد الغرائب والعجائب، ولإثبات ذلك اهتمّت جمعية قبل سنين بجمع أغرب المناقضات مع بعضها، فقد أنتجت أطول قطعة قماش وعملت منها أغرب الملابس. كما وعزمت أطول إنسان في العالم كان قياسه 72. 2 سم وطول إصبع يده 02. 1 مترا، كما وعزمت أنحف مخلوق بشري، بطول معتدل لكن وزنه لا يزيد عن 22 كغم، وإلى جانبه عزمت أثخن إنسان، كان وزنه 485 كغم، وأكملت عملها بدعوة أغرب الأشكال البشرية الحية من كل أنحاء العالم، كل ذلك لدخول اسم الجمعية في كتاب سجلّ المسابقات العالمية، المعروفة بالجينيس للسجلات العالمية. بل وبالتالي ولتخليد هذه الغرابة، فقد صقلوها بتمثالِ شمعٍ ووُضِعت في أحد المتاحف في كاليفورنيا.

 

من منا لا يسمع قصصا مُسلّية مُشوِّقة، خاصة إذا كان الواحد يكتشف من تحت سطورها، أنها تعنينا شخصيا بطريقة أو أُخرى.

 

 إنجيل اليوم، والذي يحكي لنا عن دعوة، يشبه الكثير من الغرائب المذكورة أعلاه. ملك يدعو الكثيرين، أولا من طبقته، لحضور عرس ولده ووليِّ عرشه. وللمناسبة كان خَدَمَهُ قد أعطوا للقصر طابع زينة نادرا، يليق بالحفلة. لقد قيل عام 1981 لمّا تزوّج الأمير شارل، ولي عهد انجلترا مع أميرته ديانا، أنها كانت حفلة القرن. ولمّا تزوّجت الأميرة كارولين في موناكو عام 1978، قيل إنها كانت أبهى حفلة زواج السنة.

 

لو تَحْدُث هذه الحفلة اليوم، لما كنتُ أظن، أنّ واحدا من المدعوّين سيرفض أو يُلاقي سببا للتغيّب عن مناسبة مثل هذه. فمن لا يشعر بنفسه محظوظا، ويفتخر باختياره شخصيّاً من بين العديدين، ويريد أن يتغيّب عن حفلة مُلوكية مجّانيّة، يُدعى لها شخصيّا؟. رئيس جمهورية ألمانيا يختار سنويا 1000 شخصية في الصيف، يدعوهم إلى ساحة قصره، ليكرِّمهم ويشكرهم على أعمال الشجاعة والخير والتّطوع لخدمة المواطنين. فكم يشعر هؤلاء بنفوسهم، مكرّمين بهذه الدّعوة، أن يجلسوا على طاولة مع أو بقرب رئيس الجمهورية "تأكلون وتشربون على مائدتي" (بو 22: 30). ونادرا ما يتغيّب عنها إنسان. فالمشكلة اليوم ليست رفض الدّعوة، وإنّما مَن يَتِمُّ اختياره ودعوته رسميّاً. هذا ومن ينقصه الوقت اليوم؟

 

لكن يبدو، إنّ دعوات الملك لحضور عرس ابنه، قد انتهت في سلّة المُهملات، والمعزومين قد خيّبوا أمله، بتلفيق أسباب تافهة وحُجَح كاذبة، ليعتذروا في آخر ساعة، ويتغيّبوا عن الحضور. أما قصاصهم فكان كبيرا، وهو رمزٌ لطرد الشعب ورؤسائه من أورشليم، لأنهم رفضوا دعوته، لا بل حرق هيكلها الفخم عام 70 من الحاكم الرّوماني تيطس، ثم قتل أكثر السكان أو طردهم من المدينة،. هذا هو الرّد على رفض الدّعوة، وتحذير، ليس فقط للمسيحيين في ذلك الزمان.، بل ولنا اليوم، لأن دعوة الله سارية المفعول، وإلى الأبد.

 

إن المهم من هذه القصة هي ليست دعوات العرس لكن ردة الفعل عند الملك، فهو لم يُلغِ الحفلة التي كان هيّأها لابنه وولِيِّ عرشه. إذ قد أرسل خدمه وعبيده من جديد إلى الشّوارع، ليدعوا المارين والمتسقّعين والجالسين على حافة الطّرقات، عاطلين عن العمل،(أي أبدل شعبه الخاص بكل الشعوب الأخرى) إلى وليمة وقصر، ما خطر على بالهم يوما، الإشتراك فيهما، فهذا هو الله، يدعو الكل للخلاص. لقد غيّر الملك برنامجه: حطّ المقتدرين ورفع المتواضعين. نعم أبناء شعبه المختار المفضّلين، رفضوا الدعوة مرارا وتكرارا، فهل نسينا وقوعهم 3 مرّات في العبوديات الفرعونية والبابيلونية؟ وها هم اليوم لم يفهموا ما عناه، حينما سألهم: ماذا يفعل الملك بالّذين تعدَّوا على الأنبياء، الّذين أحضروا لهم الدّعوة؟. فحكموا على أنفسهم بأنفسهم، بل هُمْ، أوقعوا حالهم في الفخ، كما يقول المثل. ويمكن أن نقع نحن أنفسَنا في هذا الفخ، إذ هذه القصة، تحتوي على كل قصّة الخلاص، كل قصّة البشر مع الله خالقهم، بل نقدر أن نقول، إن هذه القصة، هي مختصرُ كلِّ العهد القديم، إذ بعد الإنتهاء من الخلق، وَكَّلَ الله كرمَه للإنسان، ليعتني به ويأكل من ثمره. أما الإنسان فلم يبق أمينا في ما أوكله الله إليه، لكن الله لم ييأس، فقد أرسل للبشر عدة مرسلين وأنبياء ليحذّروه، لكن الإنسان لم يسمع لصوتهم وإنذاراتِهم: "ها أنا أُرسل لكم أنبياءَ وحكماءَ وكتبةً، فمنهم مَن تقتلون وتصلبون، ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلى مدينة، لكي يأتي عليكم كلُّ دمٍ زكيٍّ، سُفِك على الأرض، من دمِ هابيل الصّديق، إلى دم زكريّا ابن برخيّا، الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح"(متى 23: 34). ورغم كلِّ ذلك، لم يتنازل الله عن خلقه، بل أظهر له حبّه الغامر، بحيث أرسل لهم ابنه، علامة النجاة الحقيقية. وهنا أيضا ما ارتدع الإنسان، بل رفض الإبن وقتله على الصّليب إذلالاً. أما هُمْ، فلم يدروا أنّ كل ذلك كان لخلاصهم، ولا تزال دعوة الله سارية المفعول لهم، وما عليهم إلاّ أن يقبلوها. دعوة من شخصية عادية يقبلونها ويجدوا الوقت لحضورها، حتى ويختارون الأماكن المحجوزة لغيرهم، وأمّا دعوة الله لهم، فهم يرفضوها لأسباب دنيوية. وكيف نقول مثلا عن الدعوة لحضور قداس الأحد؟ فمن يتبعها؟ والّذين لا يتبعونها يجدون مئآت الأسباب، كالذين دعاهم الملك لحضور عرس ابنه!.

 

هذا بالإختصار كلُّ محتوى هذا المثل. نقرأ من ورائه كم مرّة حاول الله مع البشر أن يردعهم عن الشر، ويُفهمهُم أنه إلهُهُم الذي ما تركهم لحظة: "الله بعد ما كلّم الآباء الأنبياء قديما بأنواع وطرق كثيرة، كلّمنا في هذه الأيّام الآخيرة في ابنه"(عبر. 1:1). لكن الإنسان، ما قدّر ما قدّمه الله له من علامات وإشارات ووصايا، لردعه وخلاصه. الإنسان منذ الخطيئة، ما عاد يُلقي الوصايا اهتماما، حتى وإن كانت من الله.

 

والآن ما هو درس هذه القصة؟ ألا يرى كلُّ واحدٍ منّا نفسه في هذه القصّة. أمَا هو الله، الّذي يوجِّه لكلِّ واحدٍ منا الدّعوة، دعوة الخلا ص والجلوس معه على طاولته؟. ماذا قال يسوع عن هؤلاء الذين رفضوا دعوته؟ "فغضب الملك، وأرسل جنوده، فأهلك هؤلاء القتلة".هل نريد أن يحدث لنا ذلك؟

 

نحن نعلم أن قصص وأمثال يسوع، هي رمزية، أي تُريد أن تعطي سامعيه، وتعطينا حتى اليوم، درساً لحياتنا، نستفيد منه. إنّ الملك في أمثال يسوع هو دائما الله، ابوهُ وأبونا. الوليمة هي ملكوت الله، وولي العهد هو ابنه يسوع.  الخدم هم الأنبياء الذي كان يرسلهم حتى جاء ابنه، وأمّا المدعوّون فهم شعب الله، وعلى رأسهم الفريسييون وقادة الشعب، لكنّهم جميعا رفضوا الدّعوة بل وقبضوا على إبنه وقتلوه. "لقد جاء إلى خاصّته، وخاصّتُه لم تعرفه". نعم لقد دعا الله شعبه من البداية للخلاص، لكنهم لم يُقدِّروا قيمة هذه الدّعوة، لذا أبدلهم بأبسط النّاس، الذين دعاهم لحضور عرس ابنه. هؤلاء قبلوا دعوة الخلاص كما هم، أما ثوب العرس فهو ليس ثوبا حقيقيا كما يفتكر البعض، فهم جاؤوا من الشارع، ومِنْ أين لهم الملابس المّقرّرة، كما هي في حفلات الطبقات العالية اليوم، فميثلا هم يكتبون على الدعوة ؤبأيّة ملابس ومظاهر، يجب أن يحضروا إلى الحفلة. أما ضيوف اليوم فما جاءتهم دعوة رسميّة، ولا كانوا متحضّرين لها، لذا جاءؤا بلبساهم اليومي. وأما المعني فهو دعوة للتوبة والمحبة، إذ قال مطران Löwe von Münster "الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا هو أن نجعل وصايا الله  معطفنا المطلوب الظهور به أمام العرش السماوي. إذ هي مبدأ التوجيه لحياتنا. وهذا ما تعنيه جملة يسوع الأخيرة: المدعوون كثيرون، ولكن المختارين قليلون".

 

الدّعاء إلى الوليمة السّماويّة

 

كمْ مِنْ مرَّةٍ ألْمَحْتَ، ألّلِقاءُ مَعَكَ في السّماءِ هو عِيد

ويومُ العيدِ تُقامُ وليمَةُ المحبّةِ سَوِيّةً للمُلـوك والعبيد

 

كلّكُمْ مَدْعُوّونَ لتَناوُلِ وليمةِ العشاءِ السّماويّة

فالْبَسـوا الحُلَّةَ لِتجلِسُوا مَــعَ الحَضْرَةِ الإلهِيّة

 

في مَلَكُوتي حَيْثُ المساكِنُ كُلُّها بالكراسي مُجَهَّزه

تجلِسونَ معي لتُحـاكِمُوا مَنْ قاموا بأعمالٍ مُقَزِّزه

 

شوّقْتَنا لهذا البيتِ الأبويِّ مَـعَ منازِلِهِ الكثيره

أنتَ تُوزِّعُها على المُستحقّينَ بَعْدَ آلامٍ مريره

 

أَمَا كـانَ ينبغي على ابْنِ الإنسانِ أنْ يَرْضَخَ للأَلَم

قَبْلَ أنْ يَدخُلَ ملكوتَهُ مُنْتَصِراً كقائدٍ بِيَدِهِ هذا العَلَم

 

مَنْ دعاكمْ إلى وليمَةٍ لتَجْلِسوا مَعَهُ على الطّاوِلَه

يَكـونُ كَمَنْ فـَتَحَ قلبَهُ وَطَرَدَ مِنْهُ الشّرورَ كـامله