موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ١٤ مايو / أيار ٢٠٢٠

الأحد السادس من الفصح

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
في إنجيل اليوم، الذي هو مقطع من خطاب يسوع الوداعي لتلاميذه ليلة العشاء الآخير، نسمعه يوجه إرشاداته إلى رسله وكيف عليهم أن يعيشوا وأيَّ الطُّرقَ يسلكوا، بعد أن يغيب عنهم

في إنجيل اليوم، الذي هو مقطع من خطاب يسوع الوداعي لتلاميذه ليلة العشاء الآخير، نسمعه يوجه إرشاداته إلى رسله وكيف عليهم أن يعيشوا وأيَّ الطُّرقَ يسلكوا، بعد أن يغيب عنهم

 

فعمّ تلك المدينة فرح عظيم (يو 14: 15-21)

 

كلُّ بداية هي صعبة. كم مرّةً نعيش ذلك. فمثلا زميل لنا في العمل وصل سنَّ التّقاعد، وابتدءًا من الباكر، لن يعود إلى العمل بل سيبقى في البيت، فكيف ستكون بداية حياته الجديدة؟ أو شاب يسافر للدراسة بعيدًا عن البيت الأبوي، فيقف الأهل بين جدران البيت بأيدٍ فارغة. وكيف نقول أمام وداعٍ عزيز علينا... هذا والأمثال كثيرة. فكيف سنبدأ حياتنا بعد هذه الحوادث؟ وها يسوع كان قد ودّع تلاميذه، فكيف سيعيشون بدونه؟

 

في إنجيل اليوم، الذي هو مقطع من خطاب يسوع الوداعي لتلاميذه ليلة العشاء الآخير، نسمعه يوجه إرشاداته إلى رسله وكيف عليهم أن يعيشوا وأيَّ الطُّرقَ يسلكوا، بعد أن يغيب عنهم. أوّل صفة عليهم أن يتحلّوا بها هي الشّجاعة. فما أن أرسل لهم قوة الرّوح القدس، حتى هبّوا بشجاعة لبناء كنيسته، التي وضعها بين أيديهم. وقد طبعوها بروحه، كما يوضح لنا كتاب أعمال الرّسل. هذا الكتاب هو، بمحتواه وأسلوبه، من أجمل كتب العهد الجديد، إذ هو يسرد بأسلوب جذّاب قصة التبشير وانتشار الكنيسة والإيمان العجيب في بدايتها. وذلك بعد فراق يسوع عنهم. هذا الكتاب إلى جانب الإنجيل الثّالث، هو من قلم الإنجيلي لوقا. وهو كتابٌ من أهم الكتب التّاريخيّة التي نعرفها، يخبرنا أنّه مباشرة بعد صعود يسوع إلى السّماء وإرسال الرّوح القدس إلى الرسل، باشر هؤلاء عملُهم التبشيري الذي حمل ثمارًا وفيرة إذ بعد حادث حلول الرّوح القدس وإلقاء أوّل خطاب علني لبطرس عن ذلك الحدث للسامعين والمشاهدين، انضمّ إليهم أكثر من 3000 شخصًا، قام الرسل فوراً بتعميدهم. هذا وبعد فترة قصيرة قد زاد العمل عليهم بسرعة، حتى ما عاد لديهم الوقت الكافي للإعتناء بالمؤمنين، فاضطرّوا لاختيار أوّل شمامسة لمساعدتهم في الأعمال الإجتماعية والعناية بالمرضى والأرامل (أعمال 7). والأهم من ذلك أنّ بشارة الرّسل لاقت آذانا صاغية، وحيثما حلّوا استقبلهم النّاس بقلوب مفتوحة وفرح لا يوصف. فهذي مدينة السّامرة على سبيل المثال، التي كانت رفضت أن يدخلها يسوع وهو في طريقه إلى أورشليم ليتألّم ويُصلب فيها،، بعدما كَسِبَ المرأة على حافة البئر، ممّا أغضب يعقوب ويوحنا، ابني زبدا، فقد طلبا آنذاك من يسوع أن يُصلِّيا ليَنزِل عليها نارٌ من السماء، مثل سادوم وعامورا فيُحرقها، لكنه منعهما. وأما اليوم فلمّا رجع فيلبس إلى هناك ليبشّر بالرسالة، عمّ تلك المدينة فرح عظيم.

 

لكن أيضا ما يجب ذكره، أنَّ انتشار هذه الرسالة، ما كان دائما سلميّا. وهذا أيضا يذكُره كتاب الأعمال. ففي السنة 33 اُسْتُشهِد اسطيفانوس، الذي تَذْكُره الكنيسة كأول شهيد يوم 26|12. فما أن تغلغلت هذه الديانة بين الفريسيين وارتد منهم عدد لا يُستهان به، حتى أمر رؤساء الكهنة، الذين حكموا على مؤسها، أي يسوع بالموت حسدا، ولجأوا إلى الضغط على الأفراد الذين تركوهم وأعلنوا ملاحقتهم إن لم يعودوا، فهرب منهم قسم كبير إلى الأردن والشام وبلاد ما بين النهرين، فزوّد رئيس الكهنة آنذاك جمالييل Gamaliel بولس الذي كان يُدعى شاوول قبل ارتداده، ويعتبر نفسه يهوديا متعصّبا، برسائل إلى القبض عليهم وإرجاعهم إلى أورشليم، لإرغامهم على ترك ديانتهم الجديدة والرّجوع إلى ديانة آبائهم وأجدادهم. وفي طريقه إلى دمشق حدث له العكس، إذ ظهر له المسيح ، فارتدّ بولس نفسه، وصار أعظم رسول ومبشّر عرفه التاريخ إلى اليوم (أعمال 9).

 

هذا كان بداية لما سيحدث للكنيسة فيما بعد، حينما تدخل حدودا جديدة، حاملة معها هذه الرسالة التبشّيريّة الجديدة، ممّا جلب عليها غضب الممالك الرّومانية والأوثان، وقد جُنَّ جنون نيرون حاكم روما، أن مُبشِّرين حاولوا بناء دولة جديدة داخل ممالكه، فقامت بأمره أبشع الإضطهادات على مَن انتموا لهذه الدّيانة، وعلى من يُبشِّر بها، ممّا اضطرّهم لأن يختبؤا ويعيشوا في سراديب تحت الأرض، خلّدها التاريخ لآثارها ومعالمها الفنّية حتى اليوم. امتدّت اضطهادات نيرون وخلفائه قرونا، وكلّفت الكنيسة مئات وآلاف الشهداء، إلى أن جاء القائد الروماني قسطنطين في بداية القرن الرابع، وبإشارة من العلى، وقفت الإضطهادات بارتداده هو أيضا، وهكذا انفتحت مسارات التبشير أمام الكنيسة فوصلت إلى جميع قارات العالم، على الوجهين: مرات بمساعدة الممالك التي دخلتها أو وصلت إليها، ومرّات عن طريق الإضطهاد، التي كانت الشيوعية في القرن العشرين، من كبير أعدائها، واليوم النّزاعات والمناوشات الدينية مع الأديان الأخرى، خاصة في السنوات الآخيرة بظهور داعش المتطرفة. هذه المنظّمة تعلن أن الدّين يأمر ويُحلِّل قتل أي مؤمن آخر لا يدين بدينهم. فيا تُرى ما هو هذا الدّين الذي يقوم على القتل بأمر من الله على زعمهم، هذا دينُ من لا دين له، إذ الدين المُنزَل يدعو بالحفاظ على الحياة والتسامح وتقبّل الآخر، لا بقتله وإهفائه.

 

مهمّةُ الكنيسة هي التبشير، أي التّعريف على يسوع ورسالته السّلمية للبشر. بهذا المعنى قال بولس: الويل لي إن لم أُبشِّر (1 كور 9: 16). وفي مكان آخر قال: إن المسيح لم يُرسلني لأُعمّد بل لأُبشّر (1 كور 1: 17).  نعم هو التبشير الذي يقود إلى الإيمان، كما يقول بولس أيضا. ويتابع: كيف يؤمنون بمن لم يسمعوا وكيف يسمعون بلا كارز، وكيف يكرزون إنْ لم يُرسلوا. كما هو مكتوب: ما أجمل أقدامَ  المُبشِّرين بالسّلام، المُبشِّرين بالخيرات" (روم 9: 14-15). وهل ننسى أنّ آخر كلمات يسوع لتلاميذه، قبل اختفائه عن أنظارهم بلحظات، كانت إرسالَهم بالبشرى السّارة التي سمعوها منه: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم ياسم الآب... وعلِّموهم أن يحفظوا حميع ما أوصيتكم به" (متى 28: 19-20).

 

فالتبشير إذن هو من أهم الأساسات التي تَبني عليها الكنيسة لتنتشر. وهنا يجب الإشارة أنّ مُهمَّة التبسير هي ليست فقط من اختصاص الفئة المُعيّنة، أي الكهنة والمُكرّسين دون سواهم، مثلما كان الإعتقاد لعصور طويلة. بل كلُّ مسيحي، بحكم قبوله لسرَّي المعمودية والتّثبيت، هو مبشّرٌ موكَّل للقيام بالتبشير في مجتمعه ومكان عمله، ولا نعني بالكلام، بل وقبل كل شيْ بالمَثَل. إذ المسيحي مرآة، يشهد بأعماله ما يعلّم المسيح في أنجيله. فليس هو اللاّهوت، أي التعليم، الّذي يحتل الصدارة في التبشير بل الشهادة للحق بالأعمال اليومية، هي أحسن تبشير ولها تأثيرها الكبير على المستمع لإقناعه بالحقيقة، وجذبه للإيمان. "هكذا فليضئ نوركم قدّام النّاس، ليروا أعمالكم الصّالحة ويمجِّدوا أباكم السماوي" (متى 5: 16).

 

 إذن ليس عبثا، أن تحتفل الكنيسة سنويا، بأحد الإرسال والمرسلين، لتتذكِّر أنّ مهمّتها الأولى، رغم مرور أكثر من ألفي سنة عليها، لا تزال ثابتة، وهي التبشير، أي إيصال بشرى الخلاص إلى العالم، الذي ما سمع بعده عن هذه الرسالة. عالمنا اليوم سيصل الثمانية مليارات نسمة ولكن الثلث منهم فقط ، الّذين قد سمعوا عن المسيح او يؤمنون به. فكما نرى لا يزال قول يسوع "الحصاد كثير وأمّا العملة فقليلون" حيٌّ ومشجّع للعمل به، حيث أمكن.

 

فلنتذكّر القارّة الأوروبيّة، التي كان طابعها المُميّز عن باقي القارّات، أنها كانت تفتخر بديانتها وثقافتها المسيحية. لكن للأسف بعدما دخلت إليها الشيوعيّة، ثمّ العولمة بعد الحرب العالمية الثانية، اختلفت الآية، وصار فيها الإتّكال على القوّة الإقتصادية والسّلاح، الأساس الأوّل والأهم، فخسرت قوتها ونفوذها الدّيني، وعادت هي نفسها بحاجة للتبشير من جديد، كأنها نسيت أنّ تَقَدُّمَها الحضاري وقوّتَها في العالم، كانت من ثقافتها الدّينيّة. وهذا صار واضحا لنا بعد سقوط حائط برلين واختلاط شرق أوروبا بغربها، فإذا بالشيوعية تاركة يصمتها هناك، إذ البشر بعد منع الدّين عنهم أو ممارسته لأكثر من 75 سنة، عادوا كأوثان، لا علم لهم بيسوع وكنيسته، كأنَّ اجدادهم ما كانوا من أتباعها، وإذا بكلِّ الأجيال الّلاحقة بحاجة إلى التبشير من بدايته. هذا وقد التقيت مرّةً بامرأة شابة في رعيتي، لها ابن صغير، باشر بالإستعداد لقبول المناولة الأولى، قالت لي عندما أقرأ قصص الإنجيل لأولادي أو أحكيها، تبدو لهم كقصص خرافات، لأننا كل جياتنا ما سمعنا عن هذه الديانة. فالحائط إذن ما كان فقط حاجزا بين البلاد، بل وأيضا بين الثقافات والدّيانات. كثيرا ما صرنا نسمع: على الجيل الكبير أن يُعطي الإيمان إلى الجيل الناشئ. إنني شخصيّا غيرُ مقتنِعٍ من هذه المقولة، إذ الإيمان لا يُعطى (كأنه شيء في متناول اليد) ولا يُورَّث (كأنه مال) بل يُشهد له بِمَثَلِ الحياة والعلاقة اليومية الصادقة والغير مُغرضة. الكلام يزول لكن المثل يبقى. الإيمان عطيّة من الله، نقدر فقط أن نطلبه :أُطلبوا يُعطى لكم". فلِم نخجل من الشهادة لإيماننا بحياتنا اليومية؟  أما قال يسوع: "من يعترف بي قدّام النّاس، أعترف أنا ايضا به قدّام أبي في الّذي في السّموات. ولكن من ينكرني قدّام النّاس، أُنكرُه أنل أيضا قدّام أبي الّذي في السّموات" (متى 10: 32).

 

وهنا لا بدّ ان نتطرّف لدور العائلة في تربية أبنائها الدينية منذ البداية. مَن نلوم عندما يقترف أحد أبنائها جرما؟ ألا يتساءل الجميع حالا: أين العائلةعنه؟ كيف تربّى وترعرع في حضن عائلته؟ كما جاء في الإنجيل: من أخطأ هذا ام أهلُه. لذا يحق السُّؤال أيضا عن المُربّي. إنّ عُلماء النفس  يقولون: كتاب التّدريس الأوّل هو ليس الكتاب وإنما المُدرِّسُ نفسُه. فإن كانت العائلة في البيت، والمدرّسُ خارجاً عن البيت، بحياتهم وتصرّفاتهم، نموذجلً حيّاً للنشئ الطّالع، فلن تخيب أمالُهم، إذ سيبقى شيْ صالح فيهم: ألشجرة الجيّدة تُثمِر ثمراً جيِّدا. أمّا وإن أهملوا واجبهم، فلا يجب أن نعجب، من جَنَحِ أولادهم إلى الشرّ. قال الرب لصاحب المزامير: إنَّ كلمتي لن ترجع فارغة. ألسنا فخورين وشكورين أن نقول ذلك عن أهلنا أو مربينا أو الكاهن الذي عرفناه في طفولتنا في رعيّتنا. فهم كانوا مثالا لحياتنا نتذكرهم ونتكلّم عنهم بطيبة خاطر، حتى وإن كانوا زالوا عن الوجود. فإن كنا لا نزال نمارس إيماننا بمحبة وطيبة خاطر فيرجع الفضل لما تركوه فينا من انطباع وتأثير صادق؟

 

ما الفرق بين المؤمن وغير المؤمن؟ الفرق ليس بالشكل بل بالداخل، فالبابا القديس يوحنا الثالث والعشرون، الذي أعلن افتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني، كان بسيطًا للغاية. وقد أجاب على هذا السؤال بقوله: المؤمن هو شخص فرح، يُشِعُّ الفرح من وجهه على مَن حوله، مستعدٌ دائمًا لمساعدة من يحتاج المُساعدة، لا يحقد على عدوِّه بل يسامح بسهولة، وعلى استعداد بالقيامة بأعمال الرّحمة، عادلٌ بأحكامه ومُسالم. أمّا غير المؤمن، فقلبه خالٍ من هذه الصِّفات. من ينسى بهذا الصدد، جواب يسوع للذي سأله، ماذا عليه أن يفعل، كي يصل إلى الحياة الأبدية؟ فأعطاه مثل السامري الّذي اهتمَّ بحالة عدوِّه الفرّيسي. وبالتالي قال له. اذهب أنت أيضًا واعمل كذلك. آمين