موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٣ مايو / أيار ٢٠٢٠

الأحد السابع من الفصح

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
الكنيسة مُلزمة أن تذهب كلَّ طريق، ولو كان مُجازَفَة، إن كان هذا الطريق يؤدّي إلى تتميم إرادة يسوع بما يخص الرجوع إلى وحدة كنيسته

الكنيسة مُلزمة أن تذهب كلَّ طريق، ولو كان مُجازَفَة، إن كان هذا الطريق يؤدّي إلى تتميم إرادة يسوع بما يخص الرجوع إلى وحدة كنيسته

 

يا أبتي مجّد إسمك (الإنجيل يو 17: 1-11)

 

نعرف جميعنا أنّ يسوع ما كان فقط نبيّا كباقي الأنبياء، أو مُرْسَلا من الله كباقي مُرسَليّ العهد القديم، بل هو إبن الله المُرسل، ومخلّص البشريّة الموعود. فهو إذن لم يأت ليُحذِّرنا من كارثة مُتوقّعة، وإنّما ليرينا طُرقا لحل مشاكلنا سلميّاً مع بعضنا، والأهم من كل ذلك، ليؤكّد لنا أنّ الله، أباه وأبانا، هو قريب منّا ومعنا. لقد نصب خيمته بيننا.  بل قد أصبح واحدا منّا، فصرنا نقدر أن نعرفه ونصلّي إليه وندعوه أبانا، الّذي أرسل ابنه الوحيد ليمنحنا الحياة "والحياة الأبدية هي أن يعرفوك، ويعرفوا الّذي أرسلته، يسوع المسيح" (يو 17: 3).

 

الأحد السابع بعد الفصح، الذي نحتفل به اليوم، نقدر أن نسمّيه أحد الإنتظار. فنحن اليوم بعد بضعة أيام من صعود يسوع إلى السّماء والإحتفال بعيد حلول الرّوح القدس الأسبوع القادم. كان يسوع أوصاهم، أن لا يبرحوا من أورشليم، بل ينتطروا موعد الآب، وهو العماد بالرّوح القدس" (أعمال 1: 4) إذن الأحد اليوم هو كجسر يربط العيدين: عيد الصعود وعيد حلول الرّوح القدس، الذي سيذكِّرهم بما قاله لهم يسوع ويعلّموه: "ثمّ جاء واحد وأخبرهم قائلا: هوذا الرّجال الّذن وضعتموهم في السجن، هم في الهيكل واقفين يعلِّمون الشعب... ورغم منعهم من ذلك قال لهم بطرس: إنّ الله أجدرُ أن يُطاع، فلا نقدر أن نصمت" (أعنال 5: 25). نعم هذا الأحد يفتح عيوننا ليذكِّرَنا بما سبق الصعود وما سيلحقه من حياة يسوع. يُذكِّرنا بميلاده، بحياته العلنية على سهول وجبال وشواطئ بحار فلسطين، وكيف انتهت هذه الحياة بموته على الصليب ثم بقيامته وبتأسيس كنيسته وتسليمها للرسل، قبل صعوده إلى السّماء: بقوله لهم: إذهبوا وبشّروا كل البشر، ثم تنتهي حياته بيننا بصعوده إلى السماء. إذن بسطور نُراجعُ بعقلنا باختصار كلَّ حياةِ يسوع، التي منها نكتشف ونتعرّف على الله الآب. فإنجيل الأحد لم يُقدِّم لنا يسوع كالعادة كصانع عجائب ولا كمعلِّم، كما نحن متعوِّدون منه، لكن كرئيس كهنة يؤدي الصلاة أمام المجتمعين، تلاها يسوع قبل موته، في وداعه الآخير، أنهاها بالعبارة: "لقد أعطيتكم مثالا، حتّى كما صنعت أنا بكم، تصنعون أنتم أيضًا" (يو 13: 15).

 

في هذه الصّلاة نكتشف ما يلي:

 

أن يسوع كان يعيش آخر ساعاته، يُسمع تلاميذه في خطاب وداع، هي صلاة، يشرح لهم فيها، كيف بوسعهم أن يُكمِّلوا عمله، متى حل عليهم الروح القدس. وفي البداية يصلي ويتمنى لهم أن يبقوا واحداً مع بعضهم، كما هو والآب واحد، وذلك بالصلاة، إذ الصلاة تربط داخليّا ما يُهدِّدُ بالإنقسام. فيا حبّذا لو بقي التلاميذ متمسّكين مع بعضهم، مثلما يذكر كتاب أعمل الرّسل: "لمّا رجعوا إلى أورشليم، دخلوا إلى العلّية التي كانوا يقيمون فيها، وكانوا يواظبون بنفسٍ واحدة على الصّلاة" (أعمال 1: 12-14). هذا وإن الخبرة الطويلة تقول لنا، إن الإرتباط مع الله، بالصّلاة والثقة، بل الإتكال على مساعدته، هي ضمانٌ للنجاح في الحياة اليومية. يسوع صلّى لنا في وداعه"إني أدعو لهم" (يو 17: 9) لكن للأسف، ما مضى 300 سنة على غياب يسوع عنهم، حتى انقسم الشرق عن الغرب، انقسمت القسطنطينية عن روما. ثمّ لحقها الإنقسام الكبير والذي كما سمّاه البابا القديس يوحنا بولس الثاني، أكبر عار على كنيسة يسوع، والذي رغم مرور مئات السنين عليه، قد توسّع وازداد حدّةً وتقسيما لكنيسة يسوع. فلو بقى المسيحيون متواضعين ومتمسكين بإرادة يسوع، لما حدث هذا الإنقسام المُخزي، والذي يبدو مستحيلا تجنُّبه بسهولة أو مع جيل لاحق.

 

هذا الأسبوع معروف في الكنيسة بأسبوع الصلاة من أجل توحيد الكنائس المنشقّة، إذ إرادة يسوع هي "أن يكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيّها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدًا فينا" (يو 17: 21) هذا الإنشقاق حدث بدون إرادته لكنه لا يمكن القضاء عليه بدون معونته وتدخِّله. فمن يُنكر أنّ قوّةَ الكنيسة وشرفَها في وحدتِها، كما خرجت من يديه. لذا فنحن جميعنا ملزمزن بالقيام وتقديم ما يُعيدُ الكنيسة إلى أصلها. واحدة، جامعة، مقدّسة ورسوليّة. فكالرّسُل الذين كانوا مواظبين على الصّلاة لانتظار حلول الرّوح القدس عليهم، ليعطيهم القوّة والشّجاعة للشهادة، حتّى بحياتهم، لنشر وتوسيع حقل الكنيسة، كذلك علينا أن نواظب على الصّلاة هذا الأسبوع للهدف نفسه، ولكن بالإشتراك مع باقي المنشقين، طالبين بصوت واحد، الرّجوع إلى الوحدة، إذ الرّوح يُوحِّد ولا يُفرّق.

 

الكنيسة مُلزمة أن تذهب كلَّ طريق، ولو كان مُجازَفَة، إن كان هذا الطريق يؤدّي إلى تتميم إرادة يسوع بما يخص الرجوع إلى وحدة كنيسته. وهنا هذا المثل الحي. البابا فرنسيس قد قام بأوّل رحلة أثناء حبريّته إلى الأردن والأرض المقدّسة، ما بين 24-26 أيار عام 2014 وذلك في ذكرى الخمسين عامًا لأوّل زيارة قام بها حبر أعظم قبله، هو البابا بولس السادس، للأرض المقدّسة بين 4-8 كانون الثاني 1964 وذلك للقاء البطريرك أثيناغوراس الأرثوذكسي في أوّل لقاء مشترك بعد 960 سنة انقطاع بين الكنيستين. البابا فرنسيس التقى مع البطريرك الأرثوذكسي برثلماوس الأول أمام مدخل القبر المقدس في أورشليم، حيث تصافحا بحرارة، ثم دخلا القبر المقدس يدًا بيد، وركعا أمام حجر تحنيط يسوع قبل دفنه، والمُعلَّقةٌ فوقه 8 لمبات تدلُّ على الكنائس المشتركة داخل القبر المقدس، وبعد صلاة صامتة تقدّما إلى أمام قبر يسوع الفارغ. وفي القدس، تم التوقيع على بيان مشترك، أهم ما فيه أنّ إرادة الحديث لتلاشي الإنشقاق من الطّرفين ستسير دربها للوصول إلى الوحدة التي يريدها يسوع. هناك مثل يقول: الله خلق الوقت لكنه لم يتكلّم عن السّرعة. فالوقت والصلاة هما اللذان سيحملان الثمار.

 

للأسف إنّ عدد الّذين يشتركون في صلاة أسبوع الوحدة لا يمثّل لا كلَّ الكنائس ولا كلَّ المسؤولين في تحمل مسؤولية الوحدة المنشودة. والغريب أنّ الكثيرين ما لهم إلاّ الإنتقاد والتهجّم على الكنيسة، لماذا هي لا تقبل بالوحدة، التي في بالهم هم، دون أن يفهموا، لماذا هذا الإنشقاق من جهة، ومن جهة ثانية ما هي شروطه؟ البابا بندكتس السادس عشر أغاض الكنيسة البروتستانتية حين زار ألمانيا عام 2008 والتقى مع الممثلين منهم الّذين كانوا يخطِّطون للإحتفال بمرور 500 سنة عام 2017 على انشقاقهم عن الكنيسة، وكانوا يتأمّلون باستجابة مطلبهم، ألا وهو السّماح لهم بالإحتفال بذبيحة القداس كزميلتهم الكنيسة الكاثوليكية، دون سابق شرط ولا اعتذار عن الماضي بل فقط نسيانه، فذكّرهم بندكتس بأن الوحدة في الإيمان هي قبل الوحدة بالطقوس الدينية. وقد زاد من غضبهم عليه حينما أصدر منشوره البابوي المعروف باسم: من هي كنيسة المسيح. حيث قال نسمّي كنيسةً، كنيسة المسيح، تلك الّتي تعترف بكل تعليم يسوع الموجود في الأناجيل، ومن ينُكر حقيقة واحدة من تعليمه، لا يحق له أن يُسمّي نفسه كنيسة المسيح. بهذا وضع البابا النقاط على الحروف، فهذا كلام واضح ولا جدال فيه.

 

فالوحدة إذًا لا تتم بعد زيارة مجاملة مشتركة أو تقديم طلب لنسيان الماضي والإعلان عن بداية جديدة، كأنه صلح عشائري بعد جريمة قتل، كما العادة في الشرق. صلح الكنيسة يقوم على فهم إرادة يسوع والعمل بها، أمّا الّذين يطالبون بها دون شرطٍ أو قيد، فهم ينسون شروط الوحدة، التي أرادها يسوع في كنيسته: وهي قبل كل شيء وحدة الإيمان حيث يعترف الجميع بتعليمه المُوحّد، الذي لا يحتمل التأويل، حسب المناسبات أو الظروف التي تمرّ من وقت لآخر علينا. هذا ولا ننسى أنّ الصلاة المشتركة هي السلاح الأكيد، للبقاء في الوحدة أو الرّجوع إليها. فلا يحق لنا الإستهانة بقيمة الصلاة أو مفعولها من أجل الوحدة المنشودة.

 

يا أبتي! إجعلهم واحدًا، كما أنا وإياك واحد. آمين.