موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٩ فبراير / شباط ٢٠٢٠

الأحد الأول من الصوم

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد!

للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد!

 

(الإنجيل  متى  4: 1-11)

 

"وصام يسوع أربعين يومًا وأربعين ليلة ثم جاءه المجرب"

 

نُسمّي الفترة الزمنية ما بين أربعاء الرّماد وأحد الفصح، زمن الصيام الأربعيني، والأصح أن نسمّيها الزمان المقدّس، إذ هي تقدّم لنا مناسبات عديدة متنوِّعة لتقديس نفوسنا. كلمة الصوم الأربعييني تعني 40 يوما، أمّا حسابيّا فهي 47 يوما، فكيف نفسّر ذلك؟ ببساطة نقول إنه ليس خطأً حسابيا بل منطقيا، إذ منذ البداية ما كانت آحاد هذه الفترة أيام صوم لكن أيام فرح تجتمع فيها العائلات مع بعضها وتفرح، ومن ضمن الفرح يأخذ تناول الطعام العائلي مكانا مُهمّاً. كذلك الرهبان والنُّساك، الذين كانوا يمضون هذا الوقت في صوامع، بعيدين عن كل ضجيج وعلاقة مع أديرتهم، كانوا يعودون لرؤية بعضهم وتنشيط قواهم الروحية بالإعتراف والإرشاد من رؤسائهم، ثم يوم الإثنين يحملون ما هم بحاجة له من أكل وشرب بسيط، ويعودون إلى صوامعهم للإختلاء من جديد بالصلاة والصوم، علامات تقوية نفوسنهم ضد الشر.

 

إن الرقم 40 هو رقم مقدس ومعروف في التوراة، فكانت الكنيسة تُذكِّر المواقع المذكورة لتعطي منها درسا لحياة المؤمنين:

 

موسى، محرّر الشعب من قبضة فرعون، دعاه الله وأرسله إلى فرعون لما كان عمره 40 سنة. وقد أمضى 40 يوما بالصوم والصلاة على جبل سيناء قبل أن يعطيه الله لوحة العشر وصايا. وبالتالي رافق الشعب 40 سنة في البرية إلى أرض الميعاد

 

النبي يونان أمضى 40 يوما بالصوم والتوبة في نينوى حتى ارتدّت بِمَلكها وشعبها

 

40 ملكا حكموا الشعب حتى جاء المخلص ملك الشعوب، هذا والثلاثة الأشهر فيهم، وهم شاوول وداؤود وأبشالوم، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة حكم الشعب لمدة 40 سنة.

 

وفي العهد الجديد كان أول ذكر للرقم 40 بعد عماد يسوع، حيث بعد اعتماده صعد إلى الجبل وصام 40 يوما حتى جاء المجرب

 

حياة يسوع العلنية دامت 40 شهرا

 

دفنه وإقامته في القبر كانتا 40 ساعة

 

وبعد قيامته بقى 40 يوما على الأرض حتى أتمم تجهيز كنيسته ووضعها بين أيدي تلاميذه حتى يقوموا بالرسالة الخلاصية بعده.

 

والمهم أنه بعد ذكر أو تذكار هذا الرقم 40 كان دائما يحدث شيء جديد، لنقل تجديد إما في حياة الأفراد أو أيضا الجماعة او الشعب

 

إذن الرقم 40 هو يعني نهاية فترة سابقة وبداية أخرى. نهاية حَدَثٍ سابق وبداية شيءٍ جديد. وهي الفترة التي يحتاجها الإنسان ليتحضر لمباشرة مهمة جديدة تصل لغاية جديدة.

 

وفي الكنيسة الآن ابتدأت فترة جديدة كافية لتتميم أعمال توبة وإصلاح النفس ومدتها أيضا 40 يوما، في نهايتها نفرح على قيامة يسوع. لكن ليكن معلوما أن من لا يعيش هذه ال 40 يوما بنفسه وبروح الكنيسة فهو لن يستفيد منها بشيء، ولن يقوم بقيامة المسيح لحياة جديدة. من لا يقطع صحراء نفسه في هذي ال 40 يوما، فلن يحصل على الحياة الجديدة التي ترمز لها قيامة يسوع. قال نص الإنجيل: وصام يسوع 40 يوما. إن الصيام هو رمز لما يجب أن نبتعد عنه، أن نتركه ورانا من شوائب وخطايا، وذلك لنعيش قيامة جديدة في نفوسنا.

 

كما سمعنا من إنجيل اليوم، صعد يسوع بعد اعتماده إلى جبل عال في أريحا هو جبل قرنطل، حيث أمضى 40 يوما بالصوم والصلاة ومناجاة أبيه، مستشيراً إياه لسنين التبشير القادمة والتي سيبدأؤها قريبا. في هذه الأيام افتكر المجرّب أن ساعته قد حانت، ليجرب يسوع كما جرّب أدم وحواء في بداية حياتهم. فإنْ نجح، فسيبقى هو حاكم العالم. متّى يضع حادث التجربة بين عماد يسوع في نهر الأردن وبداية حياته العلنية في الجليل، حيث يُظهر نفسه مُصمِّما أن يُتمِّم المهمَّة التي أرسلها الله ابوه من أجلها، وهي أن يدعو الناس للتوبة والإيمان بملكوت الله المنتظَرِ تأسيسُه بينهم. فهل يا تُرى ستأتي تجربة الشيطان له بثمار معاكسة، كما مع أدم وحوّاء في بداية الخلق؟ فيتخربط البرنامج المقرر للخلاص. لكن قبل أن نجيب على هذه التساؤلات لنرى ماذا حصل بين يسوع والمُجرِّب.

 

فبعدما جاع يسوع وخارت قواه، قد تقدّم منه المجرِّب بعروض مغرية، تنسيه هدف حياته، مفتكرا أن يسوع سيقع فيها حتما، وسيفشل في تتميم برنامج الخلاص الذي جاء من أجله. ناسيا أن روح الله معه وهو الذي رافقه على جبل التجربة وناجاه بالصلاة كل ال 40 يوما. من هنا نفهم أن الإيمان بالله ليس فقط لمواقف معينة أو يوما محدوداً، مثلما نُظهر مسيحيتنا في المناسبات فقط.

 

إنه وإن لم تكن قصة التجربة هذه بحذافيرها صحيحة، ففيها عبر ودروس لنا. هي تريد أن تثبت لنا، أنّ كثيرين ما عادوا يؤمنون بوجود الشيطان بتاتا في عالمنا، ولو أنه واضح وضوح الشمس، أن الأعمال الشيطانية تسطع كل يوم في حياتنا وعالمنا. فلا مناص من سلطة إبليس الخدّاع وسيِّد الخِدع، الذي يحذرنا منه بطرس قائلا:. "إصحوا واسهروا لأنَّ إبليس خصمكم كأسدٍ زائر يجول ملتمساً مَن يبتلعه، فقاوموه راسخين في الإيمان"(1 بطر 5. 8-9). فإننا مَهْما بَرَعْنا في عمل الخير، فسنبقى عرضة لقوى معاكسة في حياتنا وهي الثلاث نقاط الضعيفة في طيعتنا البشرية بعد سقوطها في الخطيئة الأصلية. يسوع بالذات لم ينجُ من مصارعة إبليس كما سمعنا في إنجيل اليوم. وكم وكم مرة تصادم يسوع مع هذا الروح، وأسكته بأمرٍ منه. وكم من مرّة ذكر الإنجيليون أنه لما كان يحاول الشيطان مقاطعة يسوع، كان هذا يقول: إخرس واخرج من هذا أو ذاك. فيتغلّب عليه بل يأمره بترك المصابين بل بطرده منهم. هذا وحذّر يسوع سامعيه من عناد الشيطان ورجوعه مع سبع أرواح أخبث وأنجس منه (متى 12: 43-45). فالشيطان هو منذ انتصاره على آدم وحوّاء، المنافسُ الرئيسي لله، إذ يحاول إقناع المؤمنَ بالله، أن ما يقوله ويأمره الله هو الخطأ، ويحاول إثناعنا بعَرْضِه الذي يخلق فينا شعورا عميقا، بأنه أحسن، ويجب أن نتذوقه كما أقنع حواء أن تتذوق التفاحة الممنوعة. ألم يقل يسوع لبطرس: "سمعان! سمعان! هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة" (لو 22: 31).

 

فموقف يسوع يُرينا كيف يمكننا التخلّص من إغراآت المجرِّب، حين يقترب منا. إبليس استعمل خباثته وجرّب يسوع بثلاث مغريات، هي نفسها التي يقدمها لنا. نعم هو قد أطلع من جعبته تجارب مغرية جذابة، حتى يقع فيها يسوع، وينسى هدف حياته، الذي من أجل تتميمه كان الله الآب قد أرسله.

 

والآن دعونا نراقب بكل فضولية إن كان يسوع سينجرف وتُغريه عروض إبليس، كا أغرى لمعانُ تفاحة الجنة أبصار وذوق آدم وحواء، فيروح يُتمتم بأعذار أمام ابيه كآدم ةحواء، إن وقع فيها.

 

نحن نعرف مسبقا من هو يسوع. فلا يزال صوت الله يرنُّ في آذاننا، الذي كان قد قال بعد معمودية ابنه: هذا هو ابني الحبيب، الذي به سُررت، فله اسمعوا"(متى 3: 17). هذا الإبن أُرْسِل على الأرض ليخلِّصَ البشر من سلطة إبليس. لكن ها هو من بداية حياته يتصادم مع إبليس، الذي هو على رأي آباء الكنيسة نفس إبليس الذي جرّب أبوينا الأوّلين وانتصر عليهما. فهل هو يا ترى سينتصر على ابن جنسهما، المخلّص يسوع وبنفس الخِدعة؟ . التجربة الأولى هي إقناعه بأنّ السعادة تقوم بالماديات فقط، أي بالخبز. لكنه نسي أنه إلى جانب الخبز يحتاج الإنسان أيضا لكلمة الله: غذاء الجسد والروح معا، لا هذا أو ذاك، بل هذا وذاك.

 

يبدو أن إبليس يعرف كلمة الله ويستعملها، لكنه يعطيها بالتالي تفسيرا جانبيا، تماما كما فسّر لآدم وحواء على طريقته. يسوع جاء لكي يخلص الإنسان من هذه الخطيئة، وأما إبليس فيسعى أن يُضلِّله، بحيث يُخفي عنه مَن هو. لذا فهو، أي إبليس، يحاول أن يصرف انتباه يسوع عن إرادة أبيه. لكن يسوع الذي يُجَرَّبُ بالطبيعة البشرية، أو كإبن الإنسان، يريد أن يقول لنا، أن الطبيعة البشرية قادرة على مقاومة الشيطان، بل والإنتصار عليه. فها بولس حين تذمّر من ضعفه البشري قدام لطمات التجارب الجسدية، سمع صوت الله يقول له: "نعمتي تكفيك" (2 كور. 12: 9). بولس الرسول "يذكّرنا بأنّنا يجب أن نبقى أقوياء بالذي يقوّينا، بالرب يسوع الذي هو منبع إيماننا".

 

التجربة الثانية مفادها الإنفصال عن الله وتعظيم الشخصية. أُسْجد لي! فستكون بحمايتي. يعني استعباد القوي للضعيف! هذا ما نراه في حياتنا اليومية، إذ لا أحد يريد أن يكون صغيراً أو خادما. أما يسوع فدعى التلاميذ وقال لهم: "أنتم تعلمون أنَّ رؤساء الأمم والعظماء يتسلّطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادما. ومن أراد أن يكون فيكم أوّلاً فليكن لكم عبدا" (متى 20: 25-26). " ومن رَفَعَ نفسه وُضع ومن وَضَعَ نفسه رُفع". أما أمام الله فلا عظيم ولا كبير ولا قوي: للربّ إلهك تسجد وله وحده تعبد. لكن للأسف إن كثيرين يعيشون كمن أُصيب بالعمى الرّوحي أي أنهم قد فقدوا ضرورة الإيمان بالله الخالق، فلا يشعرون بحاجة للصلاة والتكلم معه. لقد نسوا كلمة يسوع: صلّوا لئلا تدخلوا في تجربة. إذ هناك أرواح لا تخرج إلا بالصوم والصلاة (مر 9: 29). من غير مُقاومة منهم، قد تسلَّمّ إبليس إدارة حياة الكثيرين، لذا كثرت الجرائم والحروب وضاعت الأخلاق في أيامنا، فأصبح العالم شبيها بمدينتي صادوما وعامورا، حيث تمنى الله وجود عشرة صالحين فيهما، ليحميَهُما من الدّمار. ولعدم وجود هذا العدد، فقد نزل عليهما لهب حارق كالمطر وأفناهما. يجب أن نخاف أن يحدث هذا أيضا في عالمنا نحن! إذ النار الحارقة، وهي بلغتنا اليوم هي القنابل الذرية المُكدّسة جاهزة، وهي علامات إنذار سابقة  لنا، فإمّا أن نتوب ونهفيها وإلا فهي ستهفينا وتهفي عالمنا.

 

أما يسوع فقد انتصر على إبليس حيث أفهِمه أنه مطّلع جانبيا فقط على التوراة وأن تفسيره لها خاطئ. فَموقف يسوع هذا يشجعنا على اتخاذ موقف شجاع حازم فنُظهر إرادة قويّة أمام المجرّب، الذي لا يتركنا إلاّ لفترة، ثمّ يقول أرجِع إلى بيتي الذي خرجت منه، ثم يذهب ويرجع ويجلب معه سبعة أرواح أشرّ منه" (متى 12. 43). لكن لا يجوز لنا أ، نخاف، إذ حيث دخلت الخطيئة ازدادت النعمة" (روم. 5: 20).

 

تجارب يسوع هي قاعدة تجاربنا من إبليس نفسه، الذي دائما وأبداً يحاول إسقاطنا وإغراءنا بلمعان أكاذيبه. وأما يسوع فقد دحضها كلَّها كإنسان، فهي تجارب للطبيعة البشرية، فيمكننا إذن بالذي هو قوتُنا أن ندحضها. لكن بين الممكن والواقع هناك فرق كبير، إذ نحن نقع دائما وأبدا بنفس المواقف، إذ السقوط فيها مرة يجعلنا ضعفاء ومعرّضين أكثر للسقوط فيها مُجدّدا، ونفتكر عكس ما افتكر يسوع ، أي أننا نستطيع عمل الخبز من الحجارة، فنحن بدون الخبز لا نقدر أن نعيش، ناسين تحذير يسوع، أن الغِذاء من كلمة الله هو الخبز الحقيقي.

 

تجربة الكبرياء والسلطة متأصلة فينا، وما عاد التواضع يهمنا حينما نرى أن القويَّ فقط هو الناجح في الحياة، لذا فنطلب من الضعيف الطاعة والإجلال وننسى أن الله يحطُّ المقتدرين عن الكراسي لكنه يرفع المتواضعين.

 

وبالتالي ننسى أن الذهب اللامع والمبهر للعيون هو مزيَّف، لكننا نركع أمام لمعانه وننسى أنّ ليس كل ما يلمع هو ذهب حقيقي. فالركوع هو فقط لله. أمام ربك فقط تركع وتخدم.

 

الصوم هو الزمن الحقيقي الذي إن عشناه بروحه، يفهمنا أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعبد ربين: الله والمال! للربِّ إلهك تسجد وإياه وحده تعبد!