موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ٧ أغسطس / آب ٢٠٢٠

أنقذنا يا رب!

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
أنا هو، لا تخافوا!

أنا هو، لا تخافوا!

 

الأحد التاسع عشر (الإنجيل متى 14: 22-33)

 

الأولاد، على بساطتهم، معجبون دائما بإظهار شجاعتهم ومحبّتَهم للمخاطرة، خاصة في ساحات اللعب إذا كانوا مُحاطين من اهلهم وأصدقائهم، حيث يعجبهم التصفيق والتشجيع. يوما تسلّقت طفلة سلّم القفز إلى أعلاه، لكنها عندما نظرتْ إلى الأسفل، ورأت والدها الواقف تحتها كأنه هو الصغير، فارقتها الشجاعة واعتراها الخوف وراحت تصرخ باكية: بابا! بابا! أنا خائف! تعال وانرلني معك. لكنه شجّعها: لا تخافي! إقفزي فقط فأنا هنا لألتقطَك بحضني. ولما سمعت تشجيع والدها، لم تعرف كيف قفزت وما صحت إلاّ وهي فعلا بحضن والدها الذي كان يغمرها بقبلاته. وأمّا هي فكانت محوطة عنقه بيديها ولم تُرد أن تنزل من حضنه.

 

كما وذكر التّاريخ مجازقات خارقة لأُناس لا يمكن نسانُهم. فقبل ما يقرب ال 180 سنة، عبر البهلواني Charlies Gravelet أكبر وأطول شلالات العالم النياجارا الكنديية على الحبل، أول مرّةٍ لِوَحدِه،  قطعها سالما وأرى شجاعته للمتفرجين، وثاني مرة، كان حاملا رجلا على ظهره. هذا شيء لم يكن حدث قبلُ في التاريخ. وإلى اليوم لم يتكرّر، إذ ما من إنسان يريد أن يدخل هذه المجازفة الخطرة. أليس هذا موقفنا نحن؟ أننا نثق بالله القدير لكننا لا نريد أن نجازف عمليا بحياتنا له، أو لنقل إلى هذه الدرجة.

 

الّذي سمعناه من مقطع إنجيل اليوم، ما هو إلا هذا المشهد، بكل تفاصيله، فقط مع أشخاص غير أشخاص الإنجيل، وبموقع أخر غيرِ موقع البحر. وبالتحديد كل واحد منهم هو ممكن أن يكون واحداً منّا. وإنّ كلّ من عاش عاصفة قوية على سفينة في عرض البحر، يفهم إنجيل اليوم أحسن من غيره. لقد كان الريح مُعاكساً لسير السفينة، وهذا ما يزيد من ارتفاع الأمواج، فتروح السفينة كشخصٍ مخمور تتمايل في كل الجهات، أمّا قائد السّفينة فلا يمكنه التحكّم بسفينته، فتبدو وكأنها بلا قبطان وإن علت الأمواج فوقها فهناك الطّامة المخيفة، إذ تصبح السفينة، كمن سقط في مستنقع عميق، لكنه لم يكن تعلّم السباحة. من هنا نتج النّداء المتعارف عليه دُولِيّاً  للبحّارة وفي البحار:SOS  أي نجّوا نفوسنا، أنجدونا. فمن يسمع هذا النداء، عليه الإسراعُ إلى السفينة الواقعة في خطر أو إرسالُ النداء من جهازه هو، حتى تسمعه أقرب سفينة لها وتسرع للنجدة.

 

بحيرة طبريا من أصغر بحيرات العالم، لكن أمواجها من أخطر الأمواج، وذلك للأسباب التالية: أوّلا موقعها بين مرتفعات جبالٍ من جهتين، فإن هباّت الريح من الجهتين الثانيتين تثور مياهُها بعنف وترتفع أمواجها حالا. والسبب الثاني أنّ شكلها مأخوذ من إسمها جينيزاريت وتعني الكنّارة. فكيفما لمست الكنّارة ، تُطلِع صوتا، كذلك كل نسمة ريح تُحدٍثُ في هذه البحيرة أمواجا. وثالثها السفن الكبيرة ما كانت معروفة، بل كانت كلُّها قوارب صيد خفيفة، تتلاعب فيها الرّياح والأمواج بسهولة.

 

بطرس كصياد خبير، كان يعرف اين يلاقي السمك، فقرّر مع عمّاله أن يعبر إلى الشاطئ المحاذي. امّا يسوع، الذي كان أمضى ليلته بالصلاة والحديث مع أبيه، فما كان قد انضمَّ إليهم بعد. وما أن ساروا في عرض البحر، الذي كان يعرفه بطرس طولا وعرضا، وكان يعرف أن مياهه خطرة، إذا بشبح يسير أمامهم على قدميه في البحر من قريب، فهل هذا معقول؟ وأول ما تمعّن بطرس بالشبح أمامه، إذا به يشبه سيدّه، الذي كان انضم إليه منذ أول لقاء لهما، يلوح في مطلع هذا الصباح، فنادى: أشبح أنت أم أنت يسوع؟ فطمأنه الشبح بقوله: أنا هو! هيّا إقفز إليّ. فما أن عرف بطرس الصوت، حتى جمّع كل إيمانه وثقته وقواه وقفز، لكن بعد بضع خطوات كاد يغرق، هو الصياد الخبير والسابح المحنّك في هذه المياه. وصار ما صار. بعد توبيخ لقلة إيمانه، نشله يسوع من الغرق وركب معهم في القارب الصغير، ليكمّلوا العبور إلى الجهة الأخرى. هذا العبور ما كان يدوم أكثر من نصف ساعة. وفي هذه الأثناء أرتمى يسوع على آخر مقعد وكأنه وقع في سبات عميق. وبغتة حدثت العاصفة المرعبة للقارب الصغير، الّذي كانوا جالسين فيه، والتي وصفها لنا إنجيل اليوم. فبطرس، رغم أنه صياد ماهر ويعرف لتقلّبات الماء والأمواج، وكيفية التعامل مع الرّياح، إلاّ أنّه لم يقدر على التحكم بقاربه الصغير، ليصل به بسرعة إلى الشاطئ القريب، ممّا زاد من هلع التلاميذ الباقين، وإذ ملأت الأمواج العالية قاربهم بالماء، وكادوا يغرقون، ما لقوا من حيلة إلا الصّراخ العالي وطلب النجدة من يسوع، الذي كان ملقيا رأسه على مقعد في الخلف، وكأنه لم يطّلع على المصاب الخطير. فطلع من شفاههم صراخ النجدة: أنقذنا، فقد هلكنا!.من هذا الموقف، وقبل أن نعرف ماذا حدث للرسل، نتعلّم أن مواقف كثيرة في الحياة، لا نجد لها حلاً، بل الحل الوحيد البديعي، هو الإلتجاء إلى الله، وطلب النجدة منه تعالى، كما يقول المثل العادي: الحاجة تُعلِّم الصّلاة.. من لا يعرفه الفيلم الفرنسي Don Peppone ورئيس بلديته. فكُلّما نشأ خلاف بينهما، ومرات منها كانت خلافات شديدة مُفتعلة، خاصة وإن رئيس البلدية ما كان متدينا وحزبه السياسي غير حزب الكاهن بيبونة، وكان يريد إهانة الكنيسة بإهانة كاهنها. أمّا هذا فكان عندما تحتدم الآراء، يختلي في الكنيسة ويناجي المصلوب أن يتدخّل، وفعلا كانت صلاته دائماً تُستجاب.

 

هل يمكن لبطرس أن يكون مثلا لنا؟ إني أُقِرُّ وأعترف أنّني وقعت مرات في مآزق مثل مأزق بطرس، وأؤكد أنني لو لم يكن موقفي أيضا الصّراخ لنجدة يسوع، لصرت ضحية المآزق مرّاتٍ ومرات. يسوع دائما قريبٌ منّا، حتّى وإن تركه كثيرون. فلمّا رأى يسوع هذا التّصرف، سأل التّلاميذَ: هل تريدون أنتم أيضا أن تتركونا؟ أجاب بطرس نفسه: يا سيد! إلى مَن نذهب؟ إنّ عندك كلام الحياة! هذا وكم من مرّة يُرسل لنا الله عواصف في حياتنا تكاد تغرِّقًنا؟ لكن يجب أن نكون على يقين، أنَّ هذه هي إحدى الوسائل والطّرق التي يرسلها لنا الله، لكي بالتّالي أيضا، يبرهن لنا عن محبّته، حتى وإن كنّا ضعفاء ومعرّضين لكل تجربة، فإن الله وضعنا في أوانٍ خزفيّة، ليكون فضل القوّة له لا لنا (2 كور 4: 7). نعم كثيراً ما يدعنا الله نقع في حفرة عميقة، لا نقدر الصّعود منها بقوانا البشرية، ومن يدّعي أنّه يقدر فهو غير صادق، إذ بولس يقول: "أستطيع كل شيء (لا وحدي) لكن في المسيح الّذي يُقوِّني"(فيلبي 4: 13).

 

قال القديس أغسطينوس: إنّ الله يُجرِّب مُحبّيه، وذلك لكي لا ينسوه. إننا بدون علمنا، يوقعنا الله يوميا في ظروف حياة لا نعرف كيف ننجو منها. وفي مثل هذه الظروف لا ينفعنا ألا صراخ الرّسل: أنقذنا يا سيّد! وإلا هلكنا. نعم نقع في صعوبات لها بداية لكن لا نهاية، نرضخ تحتها. فما لنا من منقذ سواه، فهو يأخذ كل الوسائل ليجعلنا نفتكر فيه ونرجع إليه، بل لنعرف أنّه يُحبّنا. هو يأتي دائما من بعيد، محاذيا لطريقنا حتى يرانا ونراه، كالشبح الذي رآه بطرس، وبالتالي يتبيّن لنا أنّه هو المخلّص. إنه يسخّر الطبيعة لتجعلنا نرمي ثقتنا به وعليه. عندها، وعندها فقط، تزول همومنا ومشاكلنا وتذوب كالملح، إن وضعناه في الماء. بدوني لا تقدرون أن تصنعوا شيئاً، ولكننا نقدر على كل شيء بموتة الّذي يُقوّنا، يقول بولس الرسول.

 

وهذا هو أسلوب الإنجيلي متى، فهو في كلّ مرّة، كان يريد أن يلقّن الرّعايا الّتي يكتب لها ممارسةّ أو درساً جديداً، كان يكتب لها قصّة ملائمة مثل هذه، تضع الناس أمام أمرٍ واقع، أنّهم هم أيضا يجب ألّا ينسوا، أنّ الحل لمشاكلهم، هو في تصرّف يسوع المشابه. هو يرى في التّلاميذ، الذين يعترفون بأن يسوع هو ابن الله، أمثلة حية للمؤمنين، إذ هم يعرفون أن يسوع هو المرجع الأول والآخير، لكل مطلبٍ لهم. أمّا في دور بطرس فهو يريهم مصير المترددين والخائفين. يُقال إنّ بزمارك أحد القياصرة الألمان في القرون الوسطى، زار شخصيّة مرموقةً في مملكته، رآهُ معلّقا صورته على أحد الجدران. وقف القيصر أمامها متأمِّلا فيها ثم قال هازّاً رأسه : هذه صورتي أنا؟ لا، هذا لست أنا! ثم أدار ببصره إلى الصورة الثانية المعلّقة إلى جانب صورته، وهي صورة بطرس الذي يكاد أن يغرق، فقال: نعم! هذا أنا!!.

 

لقد تعودنا أن نسمي الكنيسة سفينة بطرس، السائرة في عرض بحار العالم، والمعرّضة لكل الأمواج والرّياح، الدينية والسياسية والأخلاقية، التي تهب بوجهها. واحدة من هذه الأمواج الآخيرة، التي كادت تُغْرِق الكنسة في السّنين الآخيرة، هي موجة الفضائح الجنسية، الّتي هبّت على الإكليروس، وهذا في العالم كله، دون التمييز بين حالات نادرة واقعية، والتعميم الكامل، كأن كل العاملين في الكنيسة مُجرمون وفي كيس واحد قاعدون؟ نرجو أن تكون الكنيسة قد قضت على هذه الموجة المغرضة المفتلعة، وذلك بفضل توعية الضمائر وسهر الكنيسة وأساقفتها، الّذين ما أخفوا أسفهم لحدوث ما حدث.

 

بحيرة طبريا تقع على أقدام جبل التطويبات، حيث بُنِيت كنيسة فريدة من نوعها هناك، اسمها كنيسة التطويبات. المهم في أوصاف هذه الكنيسة، أنك حينما تدخل إليها، تطأ قدمك على رخامة منحوت عليها بحيرة طبريا المقابلة وفي وسطها قارب بطرس المائل في المياه ويكاد ينقلب وسط الأمواج ويغرق. أمّا حول السفينة فهناك كتابة في اللغة اللاتينية كلمة: Spes أي الأمل. وتعني به ألأمل في النجاة.

 

من عادة متى، كما ذكرتُ سابقاً، أنه لا يحكي فقط قصّةَ حدثٍ عابر، بل هو يكتب ما سمع من بطرس بالذات، إذ عمل بلغتنىا اليوم، كمرافق وسكرتير له، ولكنه لا يكتفي بالكتابة بل يريد توصيل عبرة للرعايا التي كان بخدمتها. فما يريد أن يقوله من خلال هذا الحدث، نفهمه من بين السطور، وهو أن الخلافات كانت قد ظهرت في الرّعايا، كما ألمح عنها بولس: هؤلاء يقولون نحن من أتباع بطرس أو أبلّوس أو أو... فيريد متى أن ينبّه المؤمنين على دور المسيح في حياتهم ورعاياهم بل وكنائسهم. فالكنيسة تعيش من الإيمان، ومن إنخراط أعضائها، في ذلك الزّمان واليوم وغداً أيضاً، إذ نجاح المعمل هو من نجاح عُمّاله، وبالمِثل نجاح الكنيسة هو من نجاح أبنائها. وبالتّالي إنَّ آخر ما أراد متى أن يوضّحه للرعايا هو: من هو يسوع لها، وبالتالي من هو سندها، غيرُ يسوع؟. هذا ما يجب أن يعرفه تلاميذ متى قبل أن يُرسلهم إلى العالم ليبشّروا بيسوع. لذا عليهم بناء الثقة به، إذ بقربه لا خوف بل إنقاذ. الثقة والإيمان، كما قال يسوع، تنقل الجبال. فأبوه هو أيضاً أبونا، وإنّ الأب لا يخذل ولا يُهمل مطالب أبنائه. الإسلام ينبّهنا إلى هذه النقطة، بحيث يؤمن أن عالم الله كامل، فإن حدث فيه خلل، فما هو من الله، وإنّما من الإنسان. لذا فهم يوعزون انحلال الغرب لأنفسهم المنحلة، فمن هو المسؤول عن الإنحلال الأخلاقي والسكر وتوابعه، وتفكك الزواج والعائلة؟ هذا كله في المجتمع الذي ابتعد عن الله، فراح الإنسان يترنّح في مخاطر العالم، كما تترنّح السفينة وسط عواصف البحار، إذ لا بوصلة سفر معها ولا دولاب القيادة. إن الإيمان بالله للمسلم هو أهم من غلاء البترول ليدافع عنه ويتظاهر. الإيمان بالله هو أهم شيء له، لا فقط ساعة الصلاة، بل ولكل ساعات وأيام الأسبوع. فكما نشاهد، الإسلام، على علاته، متمسك بالإيمان في حياته اليومية أكثر من المسيحيين.

 

إن متّى يريد أن يقول لنا في سرد هذا الحدث، أنَّ وجود يسوع في وسط كنيسته والإعتراف بأنه ابن الله، هو مرساة بل حبل النجاة من كلِّ خطرٍ يُحدق بنا. "حتى الأمواج تطيعه"، قال أولئك الذين عاشوا وشاهدوا الحدث. فما دام الإيمان حيّاً، ما دام السير بالسفينة في عرض البحر آمِناً، حتّى ولو هبّت الرّياح والأمواج العالية عليها، حتى ولو غرِقنا بشرورنا مثل بطرس. لكن عندما يُراودُنا شكّ وننسى أن يسوع في مُؤخَّرة سفينتِنا نائم، فهذا يعني الغرق المؤكّد، لكل المشاريع الرّوحية والأدبيّة في الكنيسة وفي حياتنا الخاصة. لماذا أنتم خائفون، يا قليلي الإيمان؟ نداء النّجدة، الذي هو في المسيحية نداءُ الإيمان، يصل فورا عند آذان يسوع وهو سيهرع للنجدة، إذ قال: كلّما تطلبون من الآب باسمي يعطيكم إياه.

 

أعجبتني بالتالي هذه القصّة اللاحقة والتي هي تُقدَّم كرواية سنوية محلّية لزوار قصر شخصيّة خياليّة في ألمانيا، إسمه بارون مونشهاوزن الكاذب Lügenbaron von Münchhausen مفادها أنه في مشوار بين الغابات وقع مرّة في مستنقع، فأصابه الهلع لأنه ما كان أحد بقربه لينشله من الغرق المُحتّم، لذا ورغم فزعه راح هو نفسه، كلّما جرّته المياه إلى العمق، يشدُّ بشعر رأسه إلى فوق، وفعلا نجا من الغرق. خرافة، قالوا عنها، ولو لم تكن صحيحة فهي جميلة. لكننا نعرف من الخبرة، أنّ من يقع في مأزق مثلِ هذا، يحتاج حتما إلى منقذ. وهنا تظهر لنا قصة بطرس على أصلها، فهو الخبير في السباحة وركوب القوارب، إحتاج بالتالي إلى منقذ. ففي القصتين نجد شيئا مُشتركاً، ألا وهو الخوف والفزع. فالخوف إما أن يعطيك قُوّةً فوق طاقتك، أو تُشِلُّ قواك وتستسلم للقدر. إن بطرس ما استسلم بل استعمل آخر أنفاسه لطلب النّجدة، التي ما توانى سيّده ومخلّصه أن يسنده بها. نحن أيضا، لماذا نخجل ولا نعلن علناً إننا بالتّالي لا نعتمد إلا على الله؟ أو أننا واضعون كلَّ ثقتِنا بالله، والأنكأ أنّنا نتهاون في مواقف ضرورية بالإعتراف أنّنا مؤمنون؟

 

جاء تلميذ إلى معلِّمه الرابّي سائلا: قديما كان أُناس كثيرون، يشاهدون الله وجهاً لوجه، فلماذا لا نسمع اليوم عن هذا؟ فأجاب الرابّي: لأنًّ الّذين يركعون عميقاً زالوا! فهذا هو سبب خجلنا من إعلان إيماننا. هذا الإيمان يمرُّ في أزمنة عميقة، ولن تزول إلاّ إذا تدخّل الله في حياتنا. ولنا مثل حي في سقوط حيط برلين عام 1989 أحسن برهان. فهذا الحائط كان قائما من ستينات القرن الماضي ولم يسقط بمساعدة الشيوعية، إنما بقوّة إيمان المتظاهرين المؤمنين، الّذين كان عددهم بازدياد، وكانوا كل يوم إثنين ولمدّة ربع سنة على الأقل يُصلون في الكنيسة مطالبين بوقوع الحائط. وهكذا استُجيبَت صلاتهم. فالصلاة إذن والإيمان أن يسوع المنقذ حتى من الحروب، هو المَخْرَج بل الحل الوحيد للمشاكل، التي تعلو فوق رؤوسنا. بطرس وثق بكلمة سيده: تعال إلي!... فرمى بنفسه في عرض البحر وجهته يد ربّه. كم من مرّة سأل التلاميذ معلِّمهم لماذا لم ننجح في كذا وكذا؟... قال لهم: لأنّ إيمانكم قليل. أمنو بالله أبي، وهو سيعطيكم كلَّ ما تسألون. هذا وكم مرّة جاءَ يسوعَ مَن طلب منه شفاءً، فكان يسوع يسأل دائما: هل تؤمن؟ وكلُّ مَن أعلن إيمانَه علناً، نال منه ما طلب: إيملانك أبرأكز قم واذهب بسلام. فلنطلب منه: يا رب قوِ إيماننا(لو 17. 4).

 

يسوع يمشي على الماء

 

يَوْماً اخْتَلى يسوعُ كُلَّ الَّليلِ بالصّلاةِ أباهُ يَسْتَشير

صَبَاحاً عادَ إليهِمْ فاتحاً ذِراعَيْهِ على الماءِ يسير

 

بُطْرسُ والتّلاميذُ في الْقَـارِبِ رَأَوْا خَيالاً كالرِّيح

ناداهُ بطرُسُ مِنْ بَعيدٍ أَخَيالٌ أَنْتَ أَمْ أَنْتَ المسيح؟

 

قال يسوعْ تَعالَ إليَّ! فَقَفَزَ بُطرسُ الصيّادُ في الماء

لَكِنْ بَعْدَ خُطْواتٍ خَفَّ إيمانُهُ فكـادَ يَغْرَقُ قَبْلَ اللِّقاء

 

صَرَخَ بِكُلِّ قِواهُ أَنْجِدْني! أَنْقِذْني! فأنا غارقٌ لا مَحالَه

وبَّخَهُ يسوعُ لِقلَّةِ إيمانِـهِ ثُمَّ أَنْقَذهُ وأنْقَذَ بجـانبِهِ رِجالَه

 

فالإيمانُ أساسٌ مَتِينٌ للمُجرَّبينَ واليائسينَ في الحياه

إنْ تسلَّحوا بِـهِ نَقلُوا الجبـالَ بعـيداً كما قالتِ التّوراه

 

الإيْمانُ حَبْلُ نَجاةٍ أَكِيدٍ يَرْبِطُ حَياتَنا بِرَبِّنا

لَوْلاهُ لَما وَجَدْنا أَماناً وبِالتَّالي لَكُنّا هلكنا

 

فمَهْما كانَ ضُعْفُنا وَمَهْما حَلَّتْ بِـنا مِنْ مصائب

إِنْ قُلنا لَهُ رَبَّنا زِدْنا إِيْماناً زالَتْ عَنّا المصاعب

 

تسكين العاصفة

 

بُحيرَةُ طبريّا صغيرةٌ لَكِنَّها عُرْضَةٌ لِلْأمواج

مِـنْ هَبَّةِ رِيحٍ يَعْرِفُ الصيّـادُ إذا الْبَحْرُ هاج

 

كـانَتِ القــوارِبُ وسُفُنُ الصَّيدِ هُنَاكَ كثيرة

أَصْحابُها صيّادونَ يُعِيرُونَها بأُجْرةٍ صغيرة

 

رَكِبَ يسوعُ الْقَارِبَ مَعَهُمْ فِيْ رِحْلةٍ سريعة

فَجْأةً فِيْ عَرْضِ الْبَحْرِ هَبّتْ عاصِفَةٌ مُرِيعة

 

راحَ القــاربُ يَهْتَزُّ كَدُمْيَةٍ فِـيْ مَهَبِّ الرّيح

ويسوعُ نـائِمٌ وراءَهُـمْ علـى مَقْـعَدٍ يستريح

 

أصابَهُمُ الهَلَعُ الشّديدُ وصرخوا بِأَعْلى أَصْواتِهم

قَدْ غَرِقْنا! قُمَ انْقِذْنا! وأفاقـوهُ هَالِعِينَ بِصَرْخاتِهم

 

وَبَّخَهُمْ علـى قِلَّةِ إِيْمانِهِمْ، إذْ نَسَوا مَعَهُ لا مَخاف

ثمَّ أسْكَنَ الرّيحَ بِإشارةٍ مِنْ يَدَيْهِ وَتَابَعوا المَطاف

 

كَثِيرونَ لَمَّا رَأَوْا الْعاصِفَةَ مِنْ بَعيدٍ أَصابَهُمُ الهَلَع

لَكِنَّ انْدِهاشَهُمْ صـارَ أَكْبَرَ حِينَما رَأُوا زَالَ الْفَزَع

 

وَفِيْ غَمْرَةِ الْفَرَحِ والْعَجَبِ تَهامَسوا فيما بِيْنَهُمْ سائلين

مَنْ ذا الَّذي حَتَّى الْمَوْجُ والْبَحْرُ بِأَمْرِهِ تُطيعُ وتستكين