موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الأحد، ٩ فبراير / شباط ٢٠٢٠

أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
هذا ما يطلبه يسوع منا: أن نكون للعالم نورًا ومثالاً حيًا لمن حولنا. فكما أن الملحَ ليس ملحًا لنفسه بل لفائدة الطبيعة، فهكذا نحن أيضًا: فإننا لسنا مسيحيين لأنفسنا فقط، بل وللعالم من حولنا

هذا ما يطلبه يسوع منا: أن نكون للعالم نورًا ومثالاً حيًا لمن حولنا. فكما أن الملحَ ليس ملحًا لنفسه بل لفائدة الطبيعة، فهكذا نحن أيضًا: فإننا لسنا مسيحيين لأنفسنا فقط، بل وللعالم من حولنا

 

قال الله: "ليكن نور!" فصار النور، ومنذ البداية صار النور علامة ظهور الله بيننا لطبيعته الخفية. وعندما دخل يسوع العالم واكتشف ما فيه من ظلام ديني وأخلاقي، قال: "أنا نور العالم"، لذا بسط ضوءه علينا وقال عنا: "أنتم نور العالم". فما يعني به طبعًا، نفهمه فقط عندما نكتشف ما قام به هو في هذا العالم لينيره. فحياته هي مرآة لحياتنا، نرى  فيها ما يجب علينا أن نكون أو نعمل، ليقتدي بنا الناس. إن أجمل أعماله وأقواله كانت المحبة والتسامح: "أنا أيضًا لا أحكم عليك! قم واذهب ولا تعد تُخطئ". نعم، سامحنا وصالحنا مع أبيه، إذ هو الوسيط بيننا وبين الله أبيه "إذ ما أُعطي للناس إنسان آخر به يخلصون". أنتم نور العالم. هذا النور يجب أن يشع في الخارج ليزيل الظلمة. قال شهيد من سجون هتلر: إن دخل من مسيحي نور بسيط، أو شعلة حرارة على مجتمعنا، فيصير لحياتة قيمة ومعنى، إذ العالم بحاجة لهما. فكما ظهر الله في الإبن بيننا وصار نورنا، هكذا على المسيحي أن يُظْهِرَ نور المسيح الذي قال عن نفسه : أنا نور العالم.

 

حياتنا تتطلب التنوع والتخصص، لذا فهناك وظائف لا يستطيع إشغالَها إلا المتخصصون. من هنا نشأت فكرة الإعلانات عن بعض الوظائف وشروط التقدم إليها. نعم هذي هي الحياة. الدعايات لتعريف البضاعة الجديدة وتصريف المنتوجات صارت أيضًا مهمة.

 

من جهة ثانية، إن نَوَت المصانع انتاج بضاعة جديدة فهي تسلك طريق الدعايات بكل الوسائل، لتُعرّف عليها. هناك دعايات في التلفزيون تكلف باهظًا، فمثلا إن أرادت الشركة وضع الإعلان وسط برنامج مهم مثلا في أوقات عرض الرياضة التي يشاهدها ملايين الأشخاص، فإن الدقيقة الواحدة لهذه الدعاية تكلِّف 250 ألف دولار.

 

أنتم ملح الأرض. أنتم نور العالم. أما هذه الأقوال أحسنُ دعاية؟ الله أراد منذ البداية اختيار شعب يجعله مثالا للشعوب الباقية. وهذا أيضًا طريق دعاية. الله أراد أن يُري العالم واقعيًا ما هو تصميمه معنا، وكيف أنه منذ البداية تقرّب لهذا الشعب واختاره من بين شعوب العالم، فبدأ بتحريره من عبودية فرعون، ثم سار معه في الصحراء وغذّاه بأعجوبة حتى وصل أرض الميعاد. فهذه علامات محبته لخلقه لا يجوز أن ننساها. لكن هذه الشعب افتكر أن يهواه سيبقى معه هكذا مؤبدًا وأنّه لا يحتاج لإجهاد نفسه بشيء: نحن أبناء إبراهيم، قالوا، فكان ذلك ككرت حصانةٍ دبلوماسيية لهم، لذا كانوا يفتكرون أن السّماء لهم ولذرية إبراهيم وحدهم. أما يسوع فعاكسهم إذ قال لهم: "ألا تعلمون أن الله قادر أن يجعل من الحجارة أبناء لإبراهيم، بديلا لكم أنتم؟". لذا كان الله ربط اختياره لهذا الشعب بشروط، أهمها الأمانة لوصاياه، التي أعطاهم إياها على جبل سيناء، بواسطة منقذِهم موسى، وألا يعبدوا آلهة أخرى سواه: "أنا هو الرب إلهكم". لكن الشعب لم يبق أمينا لمطلب الله هذا، لذا فهو فقد حقّه على هذا الإختيار الخارق، وقاصصه الله حيث جاء نبوخذ نصّر ملك الأشّوريين من بابيلون، واقتاد الشعب كعبيد إلى بلاد أخرى، لا عسل ولا حليب فيها، من بعد ما دمر لهم هيكلهم في أورشليم. والغريب أنه بعد تحريرهم ورجوعهم إلى أرض الموعد، كأنهم لم يتعلّموا الدرس، بل راحوا يخالفون أوامر الله أكثر من المرة السابقة، فقاصصهم الله من جديد، بحيث أنهم وقعوا في أسْرٍ ثاني أذلَّهُم أكثر من الأوّل، بل تركهم كُليّا واختار له شعبا آخراً بديلا. هذا هو مختصر رسالة بولس إلى أهل روما. بل لنقل هذه هي "دعاية" بولس عن ذاك الشّعب الذي ما أخلص لاختياره.

 

أما الشعب البديل، الذي اختاره الله، فهو لا ينتمي لفئة معينة، بل هو أفرادٌ من كل أمّة ولون وجنس على الأرض، ربط الله معهم عهدًا جديدًا بواسطة ابنه، قدسهم بالأسرار وغسلهم بدم ابنه على الصليب. هذا الشعب قال عنه بطرس في رسالته: "أمّا أنتم فجنسٌ مختارٌ وكهنوتٌ ملوكي وامةٌ مقدسة، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب، الذين قبلاً لم يكونوا شعبا، وأما الآن فأنتم شعب الله" (1 بطر. 2، 9).

 

في إنجيل اليوم يعمل يسوع "دعاية" لأتباعه، إذ يقدِّمهم كملح الأرض ونور العالم. نعم هو يسلّط الأضواء على تلاميذه، فيسمع الملايينُ في الكنائس اليوم وعن المنابر، من هم المسيحيون؟ هي "دعاية" قصيرة، كلمات مقتضبة، لكن مفعولها كبير، إذ يخلق في الخارجين عن ديانته فضوليّة حتى يسألون من هم فعلا المسيحيون؟ هم ملح الأرض. ونور العالم. فهذه صور لا تحتاج لشروحات طويلة، حتى يفهمها السامع، إذ الكل يعرف ما هو الملح وما مفعوله في كل بيت، وما هو النور وضرورته للحياة.

 

هذه كلماتٌ وأوصاف واضحة، والمهمّ أن يسوع لا يعطي أتباعه أوامر، بمعنى كونوا كذا وكذا! لكنه ينطق بحقيقة. يضعها أمام عيون المستمع: أنتم ملح الأرض... فهل نحن واعون، عمّا نحن ليسوع أوّلا وللعالم. إن مفعول الملح والنور لا يخفى على أحد. فالملح هو من أهم المُقبِّلات للطعام. يمكن لرب المطبخ أن يستغني عن كل المقبلات وأما عن الملح فلا، إذ الملح هو الذي يعطي للطعام نكهته الخاصة. والطبيعة كلها تحتاج له، فهو عنصر مهم لها وإلا فسدت خيراتها. يؤكد أحد المبشرين في أوغندا بإفريقيا أن أحد أسباب الموت الأولية هناك هو نقص الملح في الجسم، وهذا العنصر غير متوفر عندهم. فـ"إذا فسد الملح فأيُّ شيءٍ يُمَلِّحُه، إنّه لا يصلح بعد، إلاّ لأن يُطرح في خارج الدار وتدوسه الناس". إن لغةَ الإنجيل وأمثالَه وتشابيهه بسيطة، وما يقوله هو دائمًا ساري المفعول، ويدفع إلى التفكير.

 

أليس هذا ما عناه يسوع بوصفنا ملحَ الأرض. وهذه وصية ومسؤولية مهمة في عنقنا تجاه قريبنا. وصية مهمة كامتلاك الملح في المطبخ. إذ الملح مهم أكثر مما نفتكر. العلم يقول إن 4/5 الأرض من وجه الأرض مغطى بالملح. وقد أثبت عالم جيولوجي (أي الذي يبحث في طبقات الكرة الأرضية) أن مياه البحار والقارات تحتوي نسبيًا على 4 بالمئة من مجملها ملحًا، يمكن بناء سور عالٍ حول الكرة الأرضية منه بعلو 10 أمتار. ولولا كمية الملح الكبيرة هذه في المياه، لفسدت مياه البحار وعادت ريحتها لا تطاق وماتت أكثر الكائنات المائية.

 

الملح لا يُعطي فقط طعمًا ناكهًا، بل هو حاوٍ على قوةٍ حاملة، كما في البحر الميت الذي نسبة الملح فيه هي 23% وهي أعلى نسبة مياه مالحة في العالم، فمن يلقي بنفسه على سطح هذه المياه لا يغرق ولا يحتاج إلى نجدة حتى ولو كان غير متعلم للسباحة. إلى جانب هذه الصفة، للملح قوة تحمي من العفن وتطيل مدة الإحتفاظ بالنكهة الأصلية للأطعمة، وهذا كان ضروريًا في الشرق في بلاد ما كانت تعرف ثلاجات التبريد والحفظ للأطعمة، ومتنقلة في الصحراء. لذا كسب الملح منذ القدم تقديرًا ملحوظًا، يرمز إلى عدم الفساد والطعم الطازج، فلا نعجب لماذا يستعمله الإسرائيليون حتى اليوم كعلامة الصداقة والإخلاص، فمثلا بعد عقد الزواج، يُقدِّم العريس لعروسه لقمة خبز مع ملح قبل دخولها البيت عنده. وجرت العادة أيضًا أن يقدموا لزوّارهم وضيوفهم، ساعة استقبالهم وقبل دخولهم المنزل، قطعة خبز مع ملح ليتذوقوه، كعلامة المودة والترحيب عند أصدقائهم. وهذه عادة معروفة في بلاد الشرق، إن عزموا ضيفًا أن يقولوا له: مالحنا، أي كل من خبزنا وملحنا فهو علامة الصداقة والأمانة.

 

أنتم ملح الأرض، ولا ننسى أيضًا: أنتم نور العالم.

 

لما قال يسوع ذلك، فقد كان يَعْلَم ما أهمية المسيحي للعالم، وهذا شرف، إذ الملح يعطي للطعام قيمة لا يعطيها إياه أيٌّ من التّوابل المعروفة. فقيمة المسيحي إذًا في العالم، هي أهم من قيمة أي سياسي أو فيلسوف غير مؤمن، حتى ولو كانوا عباقرة، إذ بين يدي المسيحي وحياته رسالة مختلفة. كذلك قيمة الضوء، فهو كالمدينة على الجبل، الكل يراه. "النور لا يوضع تحت المكيال، بل على المنارة، ليضيء لكل الذين في البيت، حتى كلُّ الذين يدخلونه يرونه فيمجدوا أباكم السماوي".

 

أجدادُ أجدادِنا الذين كانوا لا يعرفون لا الكهرباء ولا أي مصدر آخر للنور، كرّموا الشمس وألّهوها وتعبدوا لها كمصدر الحرارة والنور والدفء، فَلِمَ نلومَهم، ونحن نعلم أهمية النور والحرارة للحياة اليوميّة. ألم تكن الشمس تُخبرهم بأن الله قريب منهم، حيث قادهم نورها في الصحراء سار أمامهم وظلمتها حمتهم من أعدائهم؟ ويسوع نفسه ألم يقل لهم: "أنا نور العالم من تبعني فلا يمشي في الظلام؟"، وفي المزامير كم من مرة تترد هذه العبارة: "أرني يا رب نور وجهك لأتبع طرقك". إنه مصدر ومنبع النور الذي يجب أن يشعّ منا وفينا. إن يسوع واثق من مقدرة تلاميذه، ولذا أعطاهم ألقابًا ذات مسؤولية كبيرة؛ ملح ونور. فحيث يظهر النور يزول الظلام والخوف، وفي الطبيعة حينما يظهر نور الشمس الدّافئ تدب حياة جديدة فيها فتعطي ثمارها. والسؤال: لما الطبيعة تبدو نائمة مائتة في الخريف والشتاء؟ ذلك لأنها لا ترى لا النور ولا تشعر بحرارته. لكن النور وحرارة الشمس يعطيانها حياة جديدة متجددة. فالنور إذن كالملح هو لغيره. وفي مثال الشمعة درس لنا، فهي تفني نفسها لتضيء لغيرها. هكذا يسوع أضاء العالم، فقد أفنى نفسه لنا. ملح ونور، هذه وظيفة حياتنا. المسيحي هو ليس فقط نور العالم، بل وفي العالم. نحن نشعر بضرورة وأهمّيّة النور، عندما نجلس في العتمة، فكم من الخوف يعترينا، ولكن ما أن يظهر النور ويطرد الظلمة ويبدِّدُها، حتى نتنفس الصُعداء، إذ يزول الخوف عنّا فنسير ابأمان وثقة إلى هدفنا. فالمسيحي إذًا، ليس فقط مسيحيًا داخل الكنيسة، بل وفي خارجها، إذ لم يقل يسوع: "أنتم نور الكنيسة"، بل "نور العالم". أعني أينما رحنا ورجعنا في المتجر والمصنع والمدرسة والملعب، تصرفاتنا تشهد عنا ولنا. إذًا دور المسيحيين في ملكوت الله واضح: أن يكونوا مِنَصَّةَ ضوء لغيرهم. كلنا نعلم أهمية العامود المضيء على شاطئ البحار، فهو علامة النّجاة للسفن المبحرة. وقد كان العلامة الوحيدة الّتي كانت تُقرّرُ اتجاه السفينة في البحر. هذا الضؤ في ذلك الزّمان كان ينوب عن جهار الملاحة في أيدينا اليوم ومالمعروف باسم المسمى نافي. فهو إذن علامة أمان للتوجيه الصحيح للوصول إلى الهدف المقصود.

 

من هنا نفهم، ولا نقدر أن ننكر، كم هو وجود المسيحي ضروري للعالم الذي يتخبط في ظلمات عديدة اليوم، للذين أضاعوا الطريق إلى الله والوصايا. فالمسيحي يعكس نوعًا من نور المسيح الذي وضعه في هذا العالم. فأينما جلس المسيحي أو عمل، المطلوب منه أن يكون منارة للذين حوله. فالكنيسة تفتخر وتعيِّد خلال السنة العديد من القديسين الذين أشعلوا ضوء المسيح في بقع معتمة كثيرة في العالم: الأمثال كثيرة: مثلا خدمة المرضى، مساعدة المحتاجين، الفقراء والصغار والمظلومة بل المهضومة حقوقهم والمضطهدين، واليوم للمتحيرين والمناهضين لحقوق الإجهاض وحياة المسنين بل وحماية الطبيعة؟ وصايا الله أعطيت للإنسان حتّى تسهِّل عليه المسار وتدلَّه على الطريق الصحيح، لكنها للأسف راحت اليوم تُداس بالأقدام. فمن يدافع عنها. الدّفاع عنها هو من واجب المسيحي. إن عالمنا بحاجة اليوم لشهداء الإيمان الذين ضحّوا بحياتهم للحق والفضيلة. ينقصنا شجاعة القديس أغسطينوس الذي حين قرأ عن هؤلاء الشهداء قال: ما عمله هؤلاء، فبوسعي أنا أيضًا أن أعمله. فالعالم بحاجة لوجودنا بينه، بحاجة لشهادتنا ولخوض حياتنا في ظلامه. هو بحاجة إلى توجيه، فمطلوب منا أن نؤدي شهادةً للنور (يو 1: 7). من أعطى شهادة عن الله، يشهد للحق والحق يحرركم. ستكونون لي شهودا ابتداءً من أورشليم وإلى أقاصي الأرض (أعمال 1: 8).

 

هناك عامل طبيعي خارق الوصف، في شمال أوروبا، أي في البلاد الإسكندنافية، أي السويد والنرويج، تعيش هذه البلاد في الصيف 6 أسابيع يسمّونها الأسابيع البيضاء لأنها في هذه الأسابيع لا تغيب الشمس عن سمائهم، لا ليلاً ولا نهارًا، وذلك للسبب التالي: بما أن الكرة الأرضية كالبيضة مستطيلة الحجم، فتكون دورة الشمس في الصيف قد وصلت أعلى قمة الأرض المستطيلة، فلا تقدر الشمس أن تختفي وراء أُفق، فتبقى مشعّة، ويلمع نورها الذهبي ساطعًا. بعكس مفعولها في الشتاء، فهي أي الشمس تكون جنوبًا في أبعد نقطة عن هذه البلاد الشمالية المعتمة، وذلك لفصول وأشهر طويلة. لذا فسكان هذه البلدان عندهم عادة لا نجدها عند غيرهم من الشعوب في الأوقات الحالكة، حيث يكون ضوء الشمس بعيدًا عنهم، فعندما يبدأ الظلام باكرًا في آخر النهار، يقوم عادة ملايين الناس في العالم بتنزيل ستائر الشبابيك وإضاءة اللمبات داخل البيوت فقط، كي لا يرى أحد المارّين ما في داخل بيوتهم، وأمّا سكان البلدان الإسكندنافيّة فهم لا يستعملون الستائر بتاتًا، بل يضيؤون كل ما يمكن إضاءته في الداخل، ليُشع ضؤُه إلى الخارج، إذ عندهم مقولة: "دعونا نضيء داخل بيوتنا حتى يرى من في الخارج ضوءًا على طريقه".  فهم لا يهمهم أن يقف المار خلف الشباك ويشاهد كلَّ ما يستحق المشاهدة. المهم أن يرى نورًا على طريقه.

 

فعلاقة أهل شمال أوروبا بالضوء تختلف عن باقي الشعوب. ولها كما نرى علاقة كبيرة بأقوال يسوع في إنجيل اليوم، وهذا ما يريده هو منا أن نكون للعالم، نورًا ومثالاً حيّا لمن حولنا. فكما أن الملحَ ليس ملحًا لنفسه بل لفائدة الطبيعة، هكذا نحن المسيحيون لسنا مسيحيين لأنفسنا فقط بل وللعالم من حولنا. فكم من إنسان حولنا، ينتظر مساندتنا له لتقوية إيمانه. كم من إنسان ينتظر منّا أن نُجسِّد رسالة الإنجيل في حياتنا، حتى يقتنع من فائدتها ومفعولها لحياة العالم. للمسيحي علامات معينة يتعرف العالم علينا أننا تلاميذ المسيح، فنحن لا نختلف عنهم لا في مسكننا ولا في ملبسنا. بل هي أعمالنا ومعاملتنا التي تميزنا عنهم وتثبت لهم مَنْ وما هو المسيحي في هذا العالم.

 

في القرون الوسطى حيث كان الكثيرون لا يزالون أمّيين، أي لا يعرفون لا القراءة ولا الكتابة، أوجدت لهم الكنيسة ما سموه: بـ"إنجيل فقراء الدين" وهو عبارة عن صور ورسومات يتعلمون من خلالها محتوى الكتاب المقدس. نعم عالمنا لا يزال مليءٌ بفقراء الدّين وبحاجة لمشاهدة ما في الكتاب المقدس من خلال حياتنا. فالكنيسة بحاجة لنا لنكمّل ما باشره غيرنا فيها من تبشير، والخدمة التطوعية في كل المجالات الإجتماعية: كنت جوعانًا فأطعمتموني، وعطشانًا فسقيتموني، ومريضًا فزرتموني... فمن يقوم بأعمال الرحمة هذه هو ملح الأرض ونور العالم.

 

نعم، أنتم ملح الأرض. أنتم نور العالم. آمين