موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر السبت، ٢٥ يوليو / تموز ٢٠٢٠

أنا اخترتُكم وأقمتُكم لِتَذهبوا فتُثمِروا

بقلم :
الأب فارس سرياني - الأردن
أنا اخترتُكم وأقمتُكم لِتَذهبوا فتُثمِروا

أنا اخترتُكم وأقمتُكم لِتَذهبوا فتُثمِروا

 

كرزة الأحد السّابع عشر من زمن السنة أ

 

إيّها الإخوةُ والأخوات الأحبّاء جميعًا في المسيحِ يسوع. لا زِلنا نقرأُ في الفصلِ الثّالثِ عشر من بشارة متّى الإنجيلي. وجميعُ هذهِ النّصوصِ الّتي قَرَأنَاها على مَدار آحادٍ ثلاثة، تَتمحور حول فِكرَتين اثنَتين: الإثمارِ من ناحية، ومن ناحية أُخرى، نوعية هذا الثّمر الّذي يختلِفُ بين طيّبٍ وبينَ خبيث. فكلُّ إنسانٍ، بِغَضِّ النّظر عن جِنسِهِ وعِرقِه ودينهِ وعشيرتِه وثقافَتِه وأيديولوجيّته، مَدعو لأنْ يُثمِر، لأن يُنتِج محصولًا. وهذا الثّمرُ يَتفاوت في الجودَة، فَمِنهُ ما هو طَيِّبٌ مليح يُستفادُ منه، ومنه ما هو خبيثٌ قَبيح يُلقى بعيدًا. فكلُّ إناءٍ ينضحُ بما فيه، فحينًا ينضَحُ طِيبًا وعنبرًا، ويحدثُ حينًا أن ينضَح نَتانةً وحنظلًا. فكلُّ شجرةٍ تُعرَفُ من ثمارِها.

 

يُشبِّهُ الرّبُّ ملكوتَ السّموات بالشّبَكة. هذهِ الشّبكة الّتي تُلقى في مياهِ البَحر، فتجمعُ ما هبَّ ودب. وأثناءَ الفَرزِ، يَفصلُ الصّيادونَ ما اصطادت الشّبكةُ وما جَنَت، مِن صيدٍ طيّب يُنتفَعُ به، ومِن صيدٍ خبيث يُطرح جانِبًا.

 

مثلُ الشّبكة يدلُّ على شُمولِيّة الخَلاص، فالله يُريد خَلاصَ كلِّ بشر. والمسيحُ جاءَ فاديًا ومُخلِّصًا لكلِّ إنسان، حتّى لِلّذينَ رفضوه وما زالوا يرفضونه ربًّا ومسيحًا. المسيحُ ألقى شَبكتَهُ في الأرض مُبشِّرًا بملكوتِ السّموات. ورُسلُه وكنيستُهُ، من بَعدِه، وبقوّةِ روحِه، حَملوا بدورِهم هذهِ البشارة، يُعلِنونَها حتّى أقاصي الأرض. ولكنّ كثيرينَ رَفَضوا الملكوتَ وَنَبذوا البشارة، فكانوا الصّيدَ الخبيث. وفِئةٌ قبِلَت الملكوتَ وأخذت البُشرى وَزَرَعَتها في أَرضِها الصّالِحة، فكانوا الصّيد الطّيبَ المبارك.

 

مثلُ الشّبكة أيضًا هو مثلٌ أُخروي، يرتبط بنهايةِ الإنسان ومُنتهى الأزمنة ودينونة العالم. فالمسيحُ عند مجيئه في المجد، يأتي كالشّبكة الّتي تُطبِقُ على الكُل، على الأخيارِ وعلى الأشرار، على الأبرار وعلى الفُجّار. يأتي ديّانًا للنّفوس، الطّيبة منها والخبيثة أيضًا. "ومتى جاءَ ابنُ الإنسان، أَفتُراهُ يجد الإيمانَ على الأرض؟" (لوقا 8:18).

 

أتراهُ يجدُ الإيمانَ عندي، أتراه يجدُني أرضًا طيّبةً مُثمِرةً خَصبَةً بالنّعمة، أم برّيةً مُجدِبَةً قاحِلةً باللّعنة؟! أينَ أنا من مَثَلِ الشّبكة؟ وأينَ سأكون ساعةَ الفرز وَلَحظَةَ التّمحيص؟ وأينَ موضِعي عندَ الفَصل الأخير؟ وبعد انقضاء صورة هذا العالم الزائِل؟! أتُراني أكون من فئة الخراف المباركة المطيعة المتواضِعة الّتي عَن يَمينِ ابنِ الإنسان، أم من فئة الجِداءِ العَنيدة المتمرِّدة ذاتِ القرونِ اليابسة، المجبولة بالكبرياء، الّتي هي عن شمالِه؟ (راجِع متّى 31:25) أَتُراني أكونُ في عِداد الأخيارِ المباركين الوارِثين للملكوت، الّذي أعدّه الله لنا منذُ إنشاءِ العالم. أم في عِداد الأشرارِ المَلاعين المطروحينَ كالزّوؤان، في أتونِ النّار المُعدّة لإبليسَ ومَن شاكَلَهُ من بَني البشر؟! (راجِع متّى 34:25-41)

 

أنا لا أدري أينَ سأكون بعدَ موتي، ولا اعتقِدُ أنَّ أحدًا ضامنٌ لمقرِّه الأبدي. ولكنّي، في هذهِ الحياة، وما دَمتُ على هَذهِ الأرض لابِسًا هذا الجسد، أُحَضّرُ وأُعِدُّ وأُهيّأُ نفسي، حيثُ أُريد أن أكون. أنا أريد أن أكونَ حيثُ الله يكون. أريد أن أكونَ حيثُ الملكوت الأبدي الّذي أَعدّه الله لي أنا محبوبُهُ منذ الأزل. أريد أن أكون حيثُ يمسحُ اللهُ كلَّ دمعة من عيني، حيثُ لَن يبقى للموتِ وجود ولا سُلطان، حيثُ لن يبقى للحُزنِ ولا للصُّراخِ ولا للألم أيّ وجود (راجع رؤيا 4:21) بل الوجود هو للبرّ والفرحِ والسّلام الأبدي بلا انقِضاء.

 

هُناك أريد أن أكونَ عندما يحينُ وقتُ الرّحيل، وهناك أريد أن تكون غايتي القصوى، بعد أن أُتِمَّ شوطي في هذهِ الحياة. لا أريد أن أُطرَحَ بعيدًا عن الله، كالصّيد الخبيث الرّديء، بِجَهالَتي وحَمَاقتي. لذلك أُعدُّ كلَّ شيء نُفاية، وبالمعنى الواسع لكل شيء، حتّى أربحَ المسيح، وأكونَ فيه ومعه حيث هو يكون (راجع فيلبي 8:3).

 

ولِكي أغنمَ بغايتي هذهِ، وأربحَ مُنيتي هذه، وأكونَ حيثُ أريد أن أكون، فلا بدَّ لي من الجِهَاد الحَسن. لا بدَّ لي مِن أن أكونَ قَمحًا طيبًا يحمِلُ حبًّا مُباركًا، وزرعًا طيِّبًا يُثمِرُ ثمارًا جيّدة، وأرضًا طيّبةً صالِحة تأتي بغلالٍ وفيرة، ثلاثين وستين ومِئة أيضًا. لا بدَّ أن أكونَ صيدًا طيّبًا. لذلك يا أحبّة مثل الشّبكة هو أيضًا مثل كلّ مؤمن فينا. فكلُّ واحدٍ منّا في هذهِ الحياة، هو كشبكة الصّيد، والبحرُ هو حياتُنا. نصطاد أمورًا كثيرة، تَعلقُ في شباكِنا أمورٌ كثيرة، منها ما ينفعني ومنها ما يضرّني. فالنّافِع الطّيب انتفِعُ به، والضّار الخبيث أطرحه عنّي جانِبًا، لِئّلا يُلطّخني بخبثِه وفساده، ويكون سببًا لهلاكي. "فكلُّ شيءٍ يحلُّ لي، ولكن ليس كلُّ شيءٍ بِنَافِع (1 قورنتوس 12:6) 

 

إما إذا أخترتُ أن أكون أرضًا صالحة وزرعًا طيّبًا وصيدًا مباركًا، فهذا يُحتّمُ عليّ أن أثمر كلَّ ما هو صالح وطيّب ومرضي أمام الله وعند النّاس، حيث أكون. قرأتُ حِكمةً لابنِ قُتيبة، عالم النّحو والُّلغة، يقول فيها: (اِفعل الخيرَ وَليَقَعْ حيثُ يَقَع. فَإنْ وَقعَ في أَهلِهِ فَهُم أَهلُهُ، وَإنْ وَقعَ في غَيرِ أَهلِهِ فَأنتَ أَهلُه). نعم هذا خَياري، وأرجو يا صديقي أن يكون خيارَك أنت أيضًا. اختياري أن أظلَّ لِلخَير عاملًا، فأنا من أهلِ الخير، حتّى لو قُوبِل الخيرُ الّذي أصنَع بنُكران جميل وَمَضرّة وإساءة وإجحافٍ وتبخيس. لأنّ فِعلي للخير، هو خيارٌ جذري في حياتي، لا يَرتبِط بالنّاس ومعادِنِهم ومواقفِهم وردّات أفعالِهم. بل لأنّي اخترتُ النّصيبَ الأفضل، الّذي لن يُنزَع منّي مهما جرى، في أن أكونَ من فئة الصّيدِ الطّيب، من فئة الأرضِ الصّالحة، وفي عِداد الزّرع النّافِع، والشّجرة الطّيبة الّتي لا ولن تُثمِرَ سِوى زرعًا طَيّبًا وثمرًا مباركًا.

 

"فما مِن شَجَرةٍ طَيِّبَةٍ تُثمِرُ ثَمراً خَبيثاً، ولا مِن شَجَرةٍ خَبيثَةٍ تُثمِرُ ثَمراً طَيِّباً. فكُلُّ شَجَرةٍ تُعرَفُ مِن ثَمَرِها، لِأَنَّه مِنَ الشَّوكِ لا يُجنْى تِين، ولا مِنَ العُلَّيقِ يُقطَفُ عِنَب. الإِنْسانُ الطَّيِّبُ، مِنَ الكَنْزِ الطَّيِّبِ في قَلبِه، يُخرِجُ ما هُوَ طَيِّب. والإِنْسانُ الخَبيثُ مِن كَنزِه الخَبيثِ، يُخرِجُ ما هو خَبيث، فمِن فَيضِ قَلبِه يَتَكَلَّمُ لِسانُه" (لوقا 43:6-45).