موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٠ فبراير / شباط ٢٠٢٠

أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
فمن منا لا يفتخر بأن هذه الوصية هي في ديانتنا ونستطيع يوميًا أن نكتشفها ونمارسها من جديد

فمن منا لا يفتخر بأن هذه الوصية هي في ديانتنا ونستطيع يوميًا أن نكتشفها ونمارسها من جديد

 

الأحد السابع (متى 5: 38-48)

 

سؤال بسيط نوجهه إلى يسوع اليوم، بعد سماعنا هذه التعليمات المقتضبة والغير معهودة: هل نحن ملائكة على الأرض، فقط أنّنا ليس لنا جنحان؟ هل هو لا يعرف أنّنا في الخطيئة وُلِدنا؟ أو كأنّ الخطيئة لم تمسّنا؟ "بالخطايا ولدتني أمّي" قال صاحب المزامير. وإن عرف أننا ضعفاء، فلكي لا نخطئ، علينا أن نترك العالم ونعيش وراء حيطان وجدران محميّة، لها فتحة واحدة توجه أنظارنا إلى فوق؟ لا نتعلم إلاّ لغة واحدة، هي لغة الصلاة والتعبد، وباقي الوقت نبقى صامتين لا نختلط مع أحد، خوفا ان نزعل فنَسمَع ونُسمِع غيرنا كلمات مُجِّرحة؟ كيف نفسر إنجيل اليوم؟ هل هو مقبول، بعد ما وصلنا من الرقي والإنفتاح على بعضناالبعض، وعُدنا نزن كلماتنا وخطاباتنا بالميزان؟ فهل من المعقول إذن، أن يسوع سمح لنفسه بمثل هذه الخطابات والكلمات الجارحة؟ أما كانت الجماهير، تنتظر رجلا مسالما مُصلحا لا ثائرا. لكن أسلوبه في إنجيل اليوم غير معهود، أفلا يحق لنا أن نحتج مثلما احتجَّ بعض المستمعين في أوانه: هذا كلام قاسي، من يقدر أن يسمعه (يو 6: 60).

 

فما السبب أن أسلوب يسوع اليوم هو غبر ما نحن نعهدُه ونعرفُه، فعلا قاسي، كـأنه لا قلب له ولا شعور، أخذ مكان رؤساء الشعب والفريسيين، يهدد وينتقد اصحابه وأعداءه، إذا صح التعبير، بلغتهم وأسلوبهم وقساوتهم، ثمّ يفرض على تلاميذه واجبات ثقيلة: لا مقاومة لمن يصنع لنا شرّا.. أحبوا أعداءكم.. من لطمك على خدّك الأيمن فأدر له الأيسر. باركوا ولا تلعنوا. أما كان يسوع عارفا بهذا العالم وسكانه؟ هل هو كان جادّا بكلامه؟ الغريب أنّ كل ذلك جاء مفاجأة بعد كرزة جبل التطويبات، فماذا جرى؟

 

إني أُقرُّ وأعترف، أن نص إنجيل اليوم، لا يصلح أن نقرأه من المنابر في جميع بلدان وكنائس العالم، إن لم نجد له تفسيرا ملائما ومبرِّرا، إذ المصلّي يريد سماع كلمات تعزية وسلام وثقة وتسامح ومحبة وإرشاد، لا تحريض، حتى يمارس ذلك يوم الإثنين في مكان عمله ومع أهله، إذ هو لا يسمع هذا الكلام فقط لساعة وجوده في الكنيسة، حيث عليه أن يتخذ موقفا متواضعا بحضرة الله وفي بيته. لكن ماذا يسمع اليوم؟ إنها كلمات تجعل النائم يفيق هلعا من منامه، والجالس على كرسي يقفز محتجا: إن يسوع ما عاد ينعرف، فهو يضع على ظهر تلاميذه وسامعيه أحمالا ثقيلة وهو يعرف أن العالم الذي نعيش فيه، لا يعرف إلا قانون الغاب: العين بالعين.

 

قبل كل شيْ إن كلمات يسوع في إنجيل اليوم، ليست خطابا كاملا، وليست كرزة متلاحمة، بل هي عبارات مأخوذة من كرازات وخطابات وجدالات سابقة، لم ينقل منها الإنجيلي إلا هذه العبارات المستقلة الرئيسية، هي إن دلّت على شيء، فعلى أنه كانت قد حدثت جدالات ومناوشات كثيرة بين يسوع والفريسيين، لم تُذكر بالتفاصيل، وما نَقَلَ منها الإنجيلي أو الإنجيليّون إلاّ القليل، ومنها العبارات المتفرقة التي سمعناها الأحد الماضي واليوم، لكنهم قد جمّعوها في موقع واحد لئلا تضيع. لذا فكل جملة منها كما كانت مع يسوع، تصلح أيضا أن تكون موضوع كرزة مستقلة.

 

فمن يقرؤها أو يسمعها مرة واحدة، كما فعلنا اليوم، تبدو له كما قال بعض مستمعيه: هذا كلام قاسي من يستطيع سماعه؟ نعم، أن نسمع جملة فقط أو مقطع، دون معرفة السبب أو الظرف الذي قيلت فيه، نجده فعلا قاسي. هذا من ناحية، لأن يسوع لا يحتمل العوج لا ولا الإستبداد الذي كان روؤساء الشعب يمارسونه على شعبهم بالوصايا الإضافية والقصاصات.

 

أما من الناحية الثانية فإن يسوع يقصد شيئا آخر، بانتقاده لهذه الفئة، التي لا تستحق ان تكون في هذه المناصب، التي كانوا يُشغلونها ويستغلونها لمصالحهم. فهو، بكلامه الموجه إلى تلاميذه، يريد تقديم الفئة المثالية، التي يحق لها أن تتولى قيادة الشعب. هو لا يطلب منهم التخفّي، بل بالعكس، كما قال لهم في مكان ثاني: انتم ملح الأرض. أنتم نور العالم. المسيحي هو غير الفريسي. المسيحي هو تلميذ المسيح، والتلميذ ليس أفضل من المعلم. " فهم كما اضطهدوني سيضطهدونكم. باركوا لاعنيكم. أحبوا أعدائكم، صلّوا لمبغضيكم". يسوع يريد أن يَحُلَّ عقدة القوة من العالم، ليس بالقوة، بل بالتسامح. لا أحد يقدر أن ينتصر على الشيطان، باستعمال سلطة بعلزبول. في هذه الحالات يشير يسوع على تلاميذه، اللجؤ الى وسيلة غير معروفة، ولا معهودة، لحدِّ الآن، لحل النزاعات: من أخذ مالك فلا تطالبه. من يريد تعريتك من قميصك، أعطه أيضا المعطف.. هذه هي الخطوات لحل المشاكل، وبناء السلام، بالتسامح والتنازل عن الحقوق الفردية الشخصية، إن كان ذلك لازما، لتهدئة الغضب لا لإشعاله. وهذي هي علامة المسيحية الصادقة المقنعة، حتى نفسيّا،. فهو بكلماته قصد أن يستفِزَّ أولاد النور، كي يقولوا، الخير موجود في العالم، ولو أنه موضوع تحت المكيال، فيجب رفع الغطاء عنه، وهذه مهمة تلاميذه، وهي لا سهلة ولا رخيصة. نعم هي أصعب من قانون العين بالعين والسن بالسن المعروفة. معادلات يسوع هي غير معادلات الفريسيين، وهو لهذا أتى: ليزيل الأحمال الثقيلة وبناء السلام والتسامح. كل الوصايا السلبية تزول أمام وصيته الواحدة، أعني وصية المحبة، التي يطلب من تلاميذه ممارستها، لأنها تحمل ثمارا أكيدة. منها 30، ومنها 60 ومنها مئة بالمئة. هذا ليس وَهْمًا، بل هو ثمرة وصيته: أحبوا بعضكم بعضا مثلما أنا أحببتكم. لقد مارسها الكثيرون وذاقوا ثمرها، من التلميذ ستيفانوس، الذي غفر لجلاديه ساعة رجمه وقبل أن تفارقه الروح، حيث قال: يا أبتِ إغفر لهم خطيئتهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون. وإلى المرشح الأسود مارتين لوثر كينج، الذي بالتالي قال لأهل أمريكا البيض، الذين كانوا يضطهدون بني جنسه: تصرفوا معنا مثلما تريدون، لكننا بالتالي نقول لكم: نحن نحبكم. لأن محبة العدو هي من صلب رسالة يسوع. فهو ما علّم أعلى من هذه الوصية، وقد أعلنها من أعظم الوصايا. ولو أن العمل بها أصعب من العمل بكل الوصايا الأخرى.

 

فمن منا لا يفتخر بان هذه الوصية هي في ديانتنا ونستطيع يوميًا أن نكتشفها ونمارسها من جديد. أحبب قريبك كنفسك. هذه الجملة عمرها عمر المسيح، وهي عبارة تُحَرِّشُ التلاميذ على أعدائهم، أي أن يسبحوا كالسمك بعكس التيار. المحبة والتسامح هي سلاح المسيحي، بل علامة الإختلاف التصاعدي وميزان الفرق في تعامل المسيحي عن غير المسيحي. هذه العبارات هي حجر أساسات الديانة التي بالتالي ستنتصر. الإيمان والرجاء والمحبة هي الفضائل الثلاثة التي يمارسها المسيحي، لكن أعظمها المحبة.