موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٧ يوليو / تموز ٢٠٢٠

ألم تزرع زرعًا جيدًا؟

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
ألم تزرع زرعًا جيدًا؟

ألم تزرع زرعًا جيدًا؟

 

الأحد السادس عشر (متّى 13: 24-30)

 

لما انتهى الله من خلق العالم، وقف وتمعّن في عمل، يديه فتقول التوراة: إنّه وجد كلَّ شيء حسناً. ذاك العالم نسمّيه: الفردوس. لكن التوراة تكمّل الخبر قائلة، لم يمضِ وقتٌ طويل حتّى دخلت الخطيئة في هذا العالم الجميل، وحوّلته إلى جحيم، فبقيت في ذاكرتنا حتى الآن، كلمة الفردوس المفقود، الذي نحِنُّ للرجوع إليه. فسؤالنا: من أين جاء الشر؟ يا سيد! ألم تزرع زرعاً جيّداً، لكن من أين هذا الزُّؤان؟ لماذا يحتمل الله الشرِّ في صنع يديه؟ لماذا يصبر على وجود الشرّ في عالمه؟ لماذا قبل مُنافسا مُشىتَرَكا ومشتَرِكاً له في عالمه، الّذي هو خلقه؟ هذه الأسئلة تخطر على بال كل إنسان، من جيل إلى جيل. فلنتصوّر كم من شرٍّ كان البشرُ يتحاشون، لو أنّ الله منع دخول الشّر، أو بالأحرى لو يقاصص المجرمين حالا، ليأخذ الباقون عبرة، ويبتعدوا عن الشّر. فمثلا بعد الحرب العالمية الثّانية، نقرأ أنّه عندما عاد جنود مُهمّشين ومجرّحين، وبعد سنّيّ سجنٍ طويلة، كانت قلوبهم فائضة بالغضب على الله، لماذا يسمح بالحروب؟ وهم ما لهم فيها أيُّ ضلع، فهم اشتركوا فيها مرغمين، وفقط طاعة للرّؤساء، مُحبّيي الحرب. فَلِمَ الله طويل الأناة وصبور، بدل أن يضع حدّاً لمثل هذه المظالم؟

 

إنجيل اليوم يحاول أن يعطي جوابا على هذه الأسئلة الحسّاسة. فها صاحب الزرع، يُظهر صبراً خارقاً، إذ يترك الزّؤان ينمو، وسط الزرع الجيّد، إلى يوم الحصاد. ففي هذا المثل وكثيرٍ من الأمثال المُشابهة، خاصة أمثال الآحاد السابقة، نكتشف تصرُّف الله في هذا العالم، الذي هو ما خَلَقَهُ، وتركه وشأنه، بل هو مستمرّ يعمل فيه، ويهتمُّ به، إذ هو يأتي إلى البشر ليخلِّصهم من نفوذ الشرّ المنتشِر، لكن نعرف أيضا، أنّه لا يحرِّرُهم من هذه اليد الخفية نهائيا، فهو ليس ابتزازياً، بل يترك لهم حرّيتم ليختاروا. إنّه لا يريد أن يقوم بالعمل لنا وحده ويخلصنا بتدخُّلٍ عجائبيٍّ واحد. بل إنّه لا يريد أن يُسْدِل فوقنا غطاءً حوّيّاً ويُخفينا عن اليد الخفيّة التي هي أيضا تعمل من ورائه فينا وفي عالمنا. المُهم في النّهاية هو النّجاح أم الفشل.

 

يسوع، ليُفهم النّاس ببساطة، كان كعادة النّاس في الشّرق، يستعمل الأمثال والقصص. كثيرٌ من أمثاله كانت تبتدئ بالعبارة: يشبه ملكوت السموات....أو يحكي قصة تحدث يوميا، كضياع الخروف أوتقنيب الكرمة أو مثل الزرع الذي يسقط في مواقع مختلفة، أو قصة السامري، كلُّها تحثُّ السامعين بالتالي، إلى اتخاذ موقف شخصي. قصة الخلق بالذات والسقوط في الخطيئة، حكاها بصور مفهومة بسيطة. اليوم يظهر كالزّارع، الذي يرمي زرعا جيّدا في حقله. هذا الزرع يحتاج وقتا، لينمو حتى يأتي وقتُ الحصاد. في بداية نمو الزرع، جاء عدوٌّ ورمى بين القمح زؤاناً. هذا الزّؤان لم يزرعه هو، لكنْ أحدَ الأعداء فعل ذلك، ولا بدّ أن نذكر هنا، أنها كانت عادة، خاصة في الشرق، إذا ما كان للإنسان عدو، أن يقوم هذا بتخريب شيء لجاره انتقاما، سرّا أو علنا، فهذا ما كان شيئا غريبا أو نادرا. كان معروفٌ مثلا، رمي شيْ مسمٍّ في بئر المنافس ليضر به وبأولاده وماشيته، أو مثلا يَرمي زؤانا بين قمحه، حتى يُحْدِثَ ضررا في حقله ولا يَجني غلة جيّدة وقت الحصاد. إنّ هذه العوائد غير معروفة خارج بلاد الشرق، لذا يستغرب أهل الغرب حينما يسمعون عنها. لكن يبدو أن يسوع حينما أعطى مثل هذه التشابيه كان مطّلِعا عليها، وشاهدا ما كان يحدث، بين الفريسيين سكان أورشليم والهيكل، وبين السّامرييّن المنفيّين، لذا لمّح عنها في كرازته، إذ كان يبني  تعليمه على ما رأى. فماذايعني يسوع بهذا المثل وماذا يريد أن يقول لنا؟ يريد أن يقول لنا، نحن المتسائلون،إن العالم الذي زرعه، كان عندما خرج من يده بالخلق زرعا جيّدا. لكن جاء الشرّ وزرع زؤانّه فيه. فالله، محبّة لصنع يديه، لم يدمّر هذا العالم حالاً، بل ترك الإثنين ينموان جنبا إلى حنب، إلى يوم الحصاد.

 

وثانيا: بما أنه قادر على مراقبة نموّه، وسط الزرع الجيّد، قال: أتركوهما ينموان جنبا إلى جنب حتّى يوم الحصاد. الصبر هو فضيلة إذ يقود إلى الأمل، وفي الأمل ثقة للتغيير الأحسن، بل هناك حكمة قديمة تقول: الصبر يفترس الشيطان. بهذا، عنى يسوع، أنَّ الصّالح، بوسعه في هذا الوقت، أن يُثبت نفسه بالإحتكاك مع الزّؤان، فيُضِعف ثمرَه، وأمّا ثمره هو فيَظهر قويّا وأكثرَ صلابة. وإن أمثال قدّيسيّ الكنيسة وشهدائها، هم خير برهان، فهم لا يذهبون للعمل ولا يُضحّون بحياتهم في وظائف صغيرة وبسيطة، بل ينزلون إلى خضمِّ بحر الطبيعة وبلاد التبشير البعيدة والمخطرة، ليُثبتوا ما فيهم، من قوّة في الطُّرق الشائكة والصّخرية، وما جف لهم قلب أمام الإضطهاد بل قبلوه، لينالو الإكليل من يد الله.

 

هذا ولا نفتكر أنّ حياة المسيحي، حتى البسيط، تسير بلا زُؤان، يحاول أن يَخنق نمط الحياة اليومية فيه، لذا فمطلوب منه أن يبقى حذراً، في مقاومة الشّرّ  الّذي زرعه العدو. فالنصر عند الله هو لمن يُقاوم.

 

والآن، وبعد هذا التوضيح الّذي قادنا إلى طريق أطول ممّا كنت أتوقّع، أعود إلى السّؤال: لماذا يسمح الله بالشر في عالمه الجميل؟ في كتاب التّعليم المسيحي العالمي، الّذي أصدرته الكنيسة في الثمانينات من القرن الماضي وبعد المجمع الفاتيكاني الثّاني، أعطت فيه تعليمها الرّسمي، وبيّنت جميع المبادئ الأساسية ومبادئ الإيمان، لكي تكون متطابقة ومشتركة عند كلّ المؤمنين. وذكرت ببندين مُختَصرَين، لماذا يسمح الله بالشّر؟ - لماذا لم يخلق الله عالما كاملا، فيه مناعة لدخول الشرّ؟

 

أوّلا لأنّه لمّا خلق الإنسان، قد جمّله بإرادة حُرّة ذكيّة، فعلى الإنسان أن يُقرِّر بنفسه، لا بإرادة الله وأمرِه. هو مُخيّر لا مُسيّر نقول، فبالتّالي هو يقرِّر، ماذا يريد ويختار، الخير أم الشر؟ وبذلك تَظهر قيمة الخير العالية ، التي هي تمجيدٌ لله. فإنَّ الشيء المُكتَسَب بالكفاح، له قيمة أكبر من المُهدى. إذن فالإنسان بإرادته هو اختار الشرّ. وبالتالي احترم الله الإنسان وقبل باختياره، لأنه تعالى قادر أن يستغلَّ ذلك ليعمل خيرا للإنسان. أتركوهما ينميان جنباً إلى جنب!

 

أمّا السّبب الثّاني فهو، لأنّ الله قدير وبوسعه أنْ يُحوِّل الشرّ إلى إلخير. إذ هو الّذي يُوجِّه التّاريخ دائما لمصلحتنا. هذا وإن التّوراة لَتَذْكُر لنا، أن الله بحكمته تدخل في حياة شعبه، الذي لم يسلك دائما الطّريق الصحيح، ليعيده إلى هذا الطّريق ويغمره برحمته. وهنا مثل مهمٌّ في التوراة، يُؤكِّد لنا أن لا شيء يحدث بدون اطّلاع وعِلْم وإرادة الله، ولذا فهو بالتالي يعود لخيرنا. فها يوسف يُعلِن لإخوتِه الّذين باعوه إلى تُجّار فرعون، وعند الكشف عن هُوِيَّته لهم، قال لهم لا تخافوا، فانا يوسف أخوكم، لا تفتكروا أنّكم أنتم الّذين بعثتموني إلى مصر، ولكنها كانت إرادة الهنا. وبهذا نجّاهم الله من المجاعة التي حلّت بأرض كنعان. أنتم فكّرتم بالشر والسؤ لي، لكن لإبقاء حياة ،أرسلني الله قدّامكم ليجعل لكم بقيّة في الأرض، ويبقي لكم نجاةً عظيمة. فالآن لستم أنتم أرسلتموني إلى هنا بل الله(تكو 45: 5-8). ليس هذا فقط، بل إنّ الله سمح بصلب وموت ابنه، فماذا كانت النتيجة؟ خلاص العالم.

 

ألا نشعر أن الله يجعلنا نذوق ألذّل والألم، وبالتّالي يقودنا ذلك إلى التوبة وتحسين سلوكنا؟ نعم إننا نستغرب من صبر الله الكبير، الّذي يستعمله معنا، فهو لا يقاصصنا فورا عندما نختار الشر، بل نبقى على صورته ومثاله مثل يوم خَلْقِنا، فهذا ليس علامة ضعف فيه، بل علامة محبته لنا. هو يقبل باختيارنا، ويستعمله بالتّالي لخيرنا. فله الشكر والعرفان. آمين


 

الخطيئة سبب التحرير

 

كانَتْ خَطِيئَةُ آدَمَ وَحَوَّاءَ فِيْ جَنَّة عّدن

سَبَباُ ِلتُعِيدَ لَهَمْ وَلَنا حُبِّكَ الْأَوَّلَ بِلا ثَمن

 

لِذا نُسَبِّحُ وَنَمْدَحُ سَبْتَ النُّورِ هَذِهِ الخطيئة

إِذْ لِأَجْلِهَا جاءَ الْمُخَلِّصُ بِرِسَالَتِهِ الجريئة

 

لَكِنْ لِيَوْمِ مَجِيئِهِ سَتَمُرُّ عُصورٌ عَلَيْنا ثقيلة

لِنَفْهَمَ ما فَقَدْنا فِيْ قَعَرِنَا مِنْ مَوَاهِبَ جليلة

 

لَقَدْ فَـقـَدْنا النّقاوةَ وكُلَّ الصِّفاتِ الحَسَــنه

وما عادتْ إرادَتُنا تُطابِقُ إرادَتَكَ المَرِنه

 

لذا نَفَيْتَنا لِسِنينَ كثيرةٍ بعيداً عَنِ الفِرْدوس

وَلَنْ نَعودَ إلِيهِ لِأَنْ يَظْهَرَ في السَّماءِ قوْس

 

ذُقْـنا الْـعذابَ والْألَـمَ في مَنْـفىً مرير

وَأَنْتَ خَلَقْتَنا لكَ فكانَ قلبُنا في سعـير

 

لكنّكَ قُلتَ حـينَ القصـاصِ لا تَيْأَسوا

سأُرْسِلُ لَكُمْ مُخلِّصاً ترقّبوهُ لا تَنْسَوا

 

أمّا اسْمُهُ فقالَ عَنْهُ أَشعيا هُوَ عِمّانوئيل

أيْ اللهُ مَعَنا فهذا خَبرٌ غَيْرُ قابلٍ للتّأويل

 

أمُّهُ مِـنْ نسَلِكُمْ ستلِدُهُ لَكُمْ بدونِ خطيئة

وَتَبْقى عَذْراءَ إذْ بِنِعْمَتي ستكونُ مليئة