موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٣٠ يوليو / تموز ٢٠٢٠

أكلوا كلهم حتى شبعوا

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
الأحد الثامن عشر (متى 14: 13-21)

الأحد الثامن عشر (متى 14: 13-21)

 

الأحد الثامن عشر (متى 14: 13-21)

 

مرارا وتكرارا كان يسوع ضيفا وينعزم للطّعام، مرّة عند هذا ومرّة عند ذاك، حتى من الخطأة قَبِلَ عزائم وجلس معهم على طاولة وأكل معهم ومن طعامهم، ممّا أغضب الفرّيسيين، إذ على رأيهم وتفكيرهم، ما كان يليق برابّي مرموق مشهور، أن يجالس الطبقة الواطية والخطأة والمرذولين، ويأكل ويشرب معهم، كما اتهموه. لكنه كرجل من أبناء شعبه، هو يعرف العوائد: من ينعزم، يعزم بالمقابل. فها هو اليوم يعزم، ويسد العزائم الجماعية، التي قَبِلها. من هنا جاءت عجائب تكثير الخبز، المذكورة والغير مذكورة في الأناجيل. هذه العجائب يعرفها الصغير والكبير، وهي تبعث على الإعجاب والدّهشة.

 

متى في إنجيله يهتمُّ بناحيةٍ رئيسية في يسوع، حاول بكل كتابه أن يُبرِزها بشكل واضح، ألا وهي إهتمامه بالناس المحتاجين والمتضايقين والجوعانين، وبالأخص بالمرضى والخطأة: "إني أحن على هذا الشعب"(مر 8: 2). هذا وقد حثَّ يسوع القادرين أن يقوموا بنفس الواجب، كما نفهم ذلك من آخر فصل من إنجيل متى، الّذي يكلِّله بمثول جميع البشر أمام العرش الإلهي، لينال كل واحد أُجرة أعماله: كلّ ما فعلتم لأحد هؤلاء المتضايقين، فلي فعلتموه. بهذا وضع يسوع نموذجاً بل لنقل حجر الأساس لمهمة كنيسته من بعده. فهي التبشير بالقول والعمل.

 

هناك ترنيمة جديدة من إنتاج الشبيبة، تبدأ بهذه العبارة: هيا اكسر خبزك مع الجائعين، تلحقها التعابير والكلمات التي تحث على تفهيم ما هو الخبز وفي أي الأماكن نكسره أو نُوزِّعه عاجلا، لئلا يكون توريعُه متأخِّرا: وتقول النرنيمة: كسر الخبز للجائع هو كإعطاء حسنة لكسوة عريان. وتريد الشبيبة في هذه الترنيمة هزّ المجتمع الذي عاد لا يكترث ولا يهتم إلاّ كما نقول: كلٌّ ونفسه. على الإنجيل أن يصبح حيّا، ولا يبقى كلاماً فقط.  كل واحد يجب أن يصبح خبزا للآخرين.

 

إحدى جمل صلاة أبانا تقول: أعطنا خبزنا اليومي. لكن نادرا ما تُشغل هذه الجملة الدّول الغنية، ولا يهمُّها نصيب الدّول الفقيرة. إنني شخصيا كثيرا ما أفكّر بحالة كلِّ إنسان فقير، كيف يصلّي: أعطنا خبزنا كفاف يومنا، وهو لا خبز عنده، بل يفتّش عنه في براميل الزّبالة حتى يبقى على قيد الحياة. في هذه الحالة أصرّ التلاميذ على يسوع أن يرسل النّاس إلى بيوتهم، لكنّه أوقعهم في الفخ، إذ قال: أعطوهم أنتم ليأكلوا. وفي مكان آخر قال لتلاميذه. لا تهتموا وتقولوا ماذا نأكل وماذا نشرب وماذا نلبس. لكن  يجب ان نفتكر، ماذا يأكل ويشرب ويلبس الآخرون. إذ يجب أن نبقى واقعيّين ونعلم أنَّ الفقر لا يزال له اليد العليا على كثيرٍ من بقع الأرض، وملايين البشر لا يجدون ما يقتادون به يوما عن يوم. فإن ساعَدْنا في تخفيف أي جوعٍ، نكون قد أعطينا للإنجيل وجهاً. إذ في ديانتنا، القول والفعل يجب أن يتطابقا، كالعزف والغناء. هذي طريقة بسيطة لفهم مضمون الدّين.

 

يسوع أمضى حياته في التعليم وصنع العجائب، والأناجيل تذكر منها ، 42 أعجولة. قالوا كرّر يسوع أعجوبة تكثير الخبز والطّعام هذه، سبع مّرات في أماكن مختلفة، فهو فَهِمَ تلهّف البشر لسماع كلامه ومشاهدة أعاجيبه، وبما أنهم كانوا يأتون من بعيد لسماعه، فما كان يطيب له أن يصرفهم جياعاً مثلما طلب منه التلاميذ، أو أن يعودوا جائعين في آخر النهار إلى بيوتهم، لئلا تخور قواهم، إذ كان بينهم شيوخ ومرضى وأطفال. فهذه كانت عادة يسوع، أن يغذّي مستمعيه روحيّا وجيسديّا,  وفي العهد القديم نقرأ أن بعضَ أنبيائِه، عمل أعجوبة تكثير الخبز لعائلات وأرامل جائعة، كالنبي إيليا (2 ملو 4: 42-44). فماذا يريد يسوع أن يقول لنا؟ وهذا هو المهم. لقد كان يريد بها وضع أساس لحياتنا، فلا يجوز أن نُغمض عيوننا، حيثما نرى حاجة ، بل علينا تقديم الخدمة لتخفيف آلام الآخرين أمامنا: أعطوهم أنتم أن يأكلوا! من لا يتأثّر، حينما يسمع هذه القصة تاطّريفة؟ هي  قصة طفلة مسكينة، كانت واقفة على حافة الطريق تحت البرد والشتاء بثوب رثٍّ وبلا حذاء مرتجفة، فمرّ قدامها رجل غنيّ مدّت له يداً مرتجفة تترجاه لحسنة، فرفع هذا عينيه إلى السّماء محتجّا إلى الله: لماذا خلق هذه المسكينة، الّتي لا أمل لها بحياة كريمة؟ فسمع صوتاً من السّماء يوبّخه: لقد خلقتك أنت لتساعدها. وبالمقابل من لا يفرح لقصّة القديس مار تين، الجندي الرّوماني، الذي صادف على طريقه، مسكينا يرتجف في العراء، وإذ لم يكن بيده مالا، نزل عن حصانه وقسم معطقه إلى نصفين، وأعطى قسماً لذاك الفقير. وبالليل نرآى  له الفقير، وإذا به يسوع نفسه، يقول له: طوبى لك! لقد كنت عريانا فكسوتني.

 

نعم، فقراء سيكون عندكم دائماً، لكن يمكن تخفيف هذه الآلام، لو كان للأغنياء قلب وشعور واستعداد للمساعدة. حتى الفتات الذي كان يقع تحت طاولة الغني كان كافيا ليُشبِع أليعازر، لكنّ الغني لم يساعده حتى من هذا الفتات(لو 16. 21). لقد خلق الله العالم مليئاً بالخيرات، التي تكفي لغذاء الجميع ويزيد منها 5 سلال، وإلاّ لما قال: أعطوهم أنتم أن يأكلوا! حتى ولو كان سيكلّفهم أكثر من 200 ديناراً. ما ينقصنا هو تقسيم هذه الخيرات بحق وعدل، لا اختزانها طمعاً وخوفاً لمجاعة محتملة، كما حدث مع الفلاح الّغبي، الّذي غلَّت له أرضه. يا نفسي كلي واشربي!... لكن يا غبي، لمن سيكون هذا الّذي جمّعته؟ هذا يعني عدم الثقة، بأن الله يعتني بنا، وهذا نوع ليس من البخل فقط، بل ومن الأنانية. لا يجوز الجواب على سؤال الله: يا قائين، أين أخوك هابيل؟ وهل أنا راعٍ لأخي؟ نعم، نحن رُعاة لكلِّ أخٍ محتاج. للأسف، إن خيرات العالم أصبحت تتجمّع بين أيادٍ معدودة، تستهلك منها ما تريد، بحجة إخدم نفسك بنفسك، وتتوكّل هي بتوزيع ما زاد، حسب مزاجها ومصالحها السّياسيّة، فالله لم يخلق لا التجارة ولا السياسة بل المساواة والمقاسمة والعدالة. أعطوا تُعطوا! لا يوجد مُبرِّر في عالم الله للمثل القائل: الغني يزداد غنىً والفقير فُقراً. بمعنىً أخر الظالِم يزداد ظلماً، بحيث أنه يستعمل خيرات العالم لأهداف ما لها فائدة: للحروب وإنتاج السّلاح المُحرّم واحتلال النجوم لبناء برجِ بابلٍ جديد عليها، ومن جهة ثانية نسيان الفقير، وإغماض الجفن عن الأطفال الرُّضّع بمظهرهم المؤلم على أحضان أُمّهاتِهم، اللواتي يتقطّع قلبهن لمشاهدة أطفالهن بهذه الحالة، بين هذه الخيرات الكثيرة، والتي لا يستطعن الوصول إليها، كأليعازر. أو ماذا نقول عن ملايين اللآجئين الّذين طُردوا من بيوتهم ويعيشون في العراء، ولا سقف فوق رؤوسهم، يحميهم من تقلّبات الطقس. لقد شاهدت عدداً لا يستهان به من هؤلاء في ساحة الفاتيكان في ديسمبر الماضي 2019، فكم وكم من يدٍ تمتدُّ أمامك على طوال النّهار، كلّما تجرّكن، تطلب حسنة؟ علما بأن منظمة الجوع في العالم FAO تقول: العالم لا يحتاج إلا لـ10% ممّا يصرفه العالم على السلاح حتى يزول الفقر من العالم ويعيش الجميع برفاهيّة. لكن هيهات! كثيرا ما أتساءل: ماذا يحتاج الغني أكثر من الفقير في يومه: أكله وشربه ولبسه وماذا بعد؟ يا غبي! في هذه الليلة تُؤخذ نفسُك كمنك، فلِمن يكون كلُّ هذا الّذي جمّعته؟ فلو فهم الغني أهمّية ومعني القسمة والتّعاون، لاختفى الفقر والجوع فعلا من العالم. فلا يعجبنّ معلنوا الحرب حينما سيظهرون أمام الدّيان العادل، ويسمعون: إذهبوا عني يا ملاعين، إني لا أعرفكم! وأما الأطفال والفقراء، سيسمعون كلمات الترحيب هذه: تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملك المعدَّ لكم. تصوّروا هذه الصورة الحيّة: ترامب وبوش ونيتانياهو عظماء هذا الدهر، والّذين أهفوا البلايين وليس فقط الملايين للسلاح والحروب، سيرذلون من الله وملائكته، بينما قتلى حروبهم وتجويعهم، وفقراء كالكوتا ونيجيريا وغزّة وسوريا والعراق وغيرهم، فرحين يجلسون مع الله. نعم، لا عادل إلا الله!

 

بين الجماهير الجائعة حول يسوع ظهر شاب قاعد معه 5 خبزات وسمكتين، كفت بأعجوبة لإطعام الجماهير وزاد منها. فهكذا يضع الله عطاياه بين أيدينا لتوزيعها على المحتاجين وهو يدبّر أمر الكُرماء منّا ليعطينا مقابلها بل وأكثر. ألم يوكل الله عالمه لآدم وحواء، فهو يحتاج عمل الإنسان لأخيه الإنسان، دون أن يتدخّل مباشرة، بل يكتفي بوضع الخمس خبزات والسّمكتين بين أيدينا. فبإمكاننا أن نصنع بها خيرا لجائعين كثيرين حولنا، فيأكلون ويشبعون وبالتالي يشكرون. من هنا نشأ عيد الشكر السّنوي عند الفلاحين، على كل خيرات وثمار الأرض التي يضعها الله بين أيديهم.

 

يا ما أحوج عالمَنا اليوم لمثل هذه العجائب، إذ لا تخلو فيه بقعة من جائعين ومعوزين، كي يبقوا على قيد الحياة. من جهة أخرى لا يذكر الإنجيليون عن الماء سوى أعجوبة تحويل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل، وأمّا أعجوبة تكثير الماء، الذي هو أيضا ضروري كالخبز، فلا يتطرّقون لها. مع العلم أننا نجد في كفرناحوم، حيث حدثت واحدة من هذه الأعاجيب السبعة، أيضا سبع نَبْعات ماء تسيل جنبا إلى جنب، وهي ليست من منبع واحد، إنما من سبع ينابيع لا صلة لها ببعضها البعض، سوى أنّها مياه للشرب عَذِبة، تصبُّ كلها في نفس المكان في كقرناحوم حيث تمّت أعجوبة تكثير الخبز هذه. إيمانيا ترمز أعاجيب تكثير الخبز سبع مرات وهذه الينابيع السبعة، إلى السبعة أسرار، التي أسّسها يسوع ، وذلك لتقوية نفوسنا وإنعاشها بالنعم المختلفة الكامنة فيها.. ففي كل مرّة كان يسوع يُطعم الجياع، كان أيضا يطفئ عطشهم وبكثرة، في بلادٍ ينابيع الماء فيها قليلة، إن لم يكن المقصود  من هذه العجائب، التصفيق والمديح، بل هي علامات بديهية من يسوع، إن كانت الجماهير بحاجة لها لتبقى معه. وهكذا الأسرار فهي تربطتا بالله ونعمه الكثيرة.. أما الجماهير فكانت شاكرة له، وفي اليوم التالي لم تتأخر من إبداء الشكر له. إذ، كما يذكر الإنجيليون، قد تحمّس وفد منها وجاءوا ليقيموه ملكاً عليهم. أمّا هدف يسوع فما كانت الملوكية أو اعتلاء عرش فاني. لكن كي يؤمنوا وينضمّوا هم أيضا إلى ملكوته الجديد. لقد أراد أن يعطي كنيسته مثالا لِعمَلِها: لقد أعطيتكم مثالا حتى مثل ما فعلت أنا أنتم تفعلون" (يو 05 13).

 

بهذه المناسبة قد استغلّ يسوع ظرف إطعام الجماهبر من الخبز الفاني، ليهيئ عقولهم إلى فهم الخطاب عن الخبز السّماوي، الذي سيعطيهُم إياه، والذي، إن أكلوه، سيعطيهم الحياة الأبدية (يو 6: 51)، وذلك حين يرى أن الوقت مناسب أن يُخبرهم به. فلنطلب إليه مطلب السّامرية أوّلا: يا رب! أعطني من هذا الماء. وفي حينه عندما نسمع خطابه عن الخبز السّماوي: يا رب! أعطنا من هذا الخبز. آمين

 

أعجوبة تكثير الخبز

 

يـا مانِحَ الخيراتِ، نَعْجَبُ مِنِ اهتِمامِكَ بالمُسْتَمِعين

جاؤوكَ مِنْ بعيدٍ ومِنْ قريبٍ لِسَماعِ كَلامِكَ مُتلَهّفين

 

لا مرّةً ولا مرّتـينِ بَلْ قـالوا سْبع مرّاتٍ على الأقل

أمْضَوا النّهارَ كامِلاً مَعْكَ مُصْغِينَ إليكَ لا حدا أَكَل

 

ما أَرَدَّتَّ أنْ تَصْرِفَهُمْ إلى بيوتِهِمْ عَطْشى جائعين

إذْ كانَ بينهُمْ شُيوخٌ وأطفـالٌ ومرضى وعاجزين

 

قُمْتَ لـَهُمْ بتكثـيرِ الخمسِ خُبْزاتٍ فَقَطْ والسَّمَكه

كَفَتْ لسِتَّةِ آلافٍ وزادَ مِنْها كما لَوْ كانتْ شَرِكه

 

على السَّهْلَةِ الواسِعَةِ حَيْثُ كـانَتِ الجَماهـيرُ هاجِعه

أخْرَجْتَ لَهٌمْ سَبْعَ نَبْعاتِ سَدَّوا بِها عَطْشَتَهُمُ الواقِعَه

 

السَّبْعُ نَبْعاتٍ تَسيلُ إلى اليومِ غَزيرَةً صَافِيةً فِيْ مجاريها

وَهْـَي رمزٌ لِنِعْمَتِكَ الّتي في السّـبعِ أسـرارٍ لِلْعالَمِ تُعطيها

 

مَنْ يشربُ مِنْها لَنْ يَعطَشَ أبداً لأنّكَ وَضَعْتَ نعمتَك فيها

ألمْ تَقُلْ ذا للسّامِرِيّةِ حِينَما سَأَلَتْكَ مِنْ هذا الماءِ أَنْ تُسقيها

 

فـَأَصْبحوا كلُّهُمْ شاكريـنَ لَكَ على هـذهِ الأُعْجوبه

الّتي ما خَطُرَتْ على بالٍ ولا هِيَ كانتْ محسوبه

 

وإذْ أرادوا بَعْدَها إقـامَتَكَ مَلِكاً بَديـلاً عليهِمْ لِيَشْكُروك

رَفَضْتَ وأفْهَمْتَهمْ أنّكَ ستُعْطِيهُمْ خُبْزاً سماوِيّاً مبروك

 

هذا الخُبْزُ سيكونُ لا المنَّ ولا السّلوى بَلْ جَسَدَكَ المُمَجّد

سيُعْطِيهِمْ حيـاةً لا تَفْنى فمَنْ يأكُلُ مِنْهُ هُنا يَحْيـا إلى الأبد

 

فكما نالَ إيليا القوَّةَ مِنْ أَكْلِ الخُبْزِ وَشُرْبِ المــاءِ العجائبيّه

ننالُ نحنُ أيضاً مِنْ أَكْلِ جَسَدِكَ وَشُرْبِ دَمِكَ الحياةَ الأبديّة

 

فمَنْ يأْكُلُ جسدي ويشربُ دَمي لَنْ يموتَ أَبَدا

بَلْ تَجْري في جَوْفِهِ ماءٌ حيَّةٌ هِيَ عَلامَةُ الفِدا