موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الخميس، ٢٨ مايو / أيار ٢٠٢٠

أحد العنصرة

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
نعمة الرّوح القدس لم تصل البشر فقط، بل إلى الأرض أيضًا

نعمة الرّوح القدس لم تصل البشر فقط، بل إلى الأرض أيضًا

 

"كما أرسلني الآب أُرسلكم أنا" (الإنجيل يوحنا 20: 19-23)

 

حلول الرّوح القدس، الذي تحتفل به الكنيسة في اليوم الخمسين من بعد القيامة، وهو اليوم، حادث خارق: يسوع يصعد إلى السّماء بطريقة أعجوبيّة، ويرسل لنا روحه القدس بطريقة أعجب وأغرب: روح الله، الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس، والذي سيلعب الدور النهائي في تصميم الله لإدارة العالم بعد ما خلّصه يسوع بموته على الصليب، يظهر كشعلة نور، ولكن هذا النور، لم يكن مفعوله كالنّار، يحرق من يقع عليه أو قريبا منه، بل يتحول في كلِّ من يحلُّ عليه، إلى قوّة داخلية، تدفعه للإيمان به بيسوع والشهادة له، والتبشير به كمخلّص العالم، ، وذلك بلغات لا تُصدّق، فانضمّ إلى الرّسل أكثر من 3000 مؤمن جديد طلبوا العمّاد، وهكذا بدأ تأسيس الكنيسة، المنتشرة اليوم في كلِّ أنحاء العالم، وتضمّ أكبر جماعة مؤمنين، من كل سكان العالم، الذي سيصل قريبا إلى 8 مليارات نسمة.

 

نعمة الرّوح القدس لم تصل البشر فقط بل الأرض أيضا، كما قال صاحب المزامير: أرسل روحك فيتجدّد وجه الأرض(105، 5). وبأمر من  سيّدهم، انتشر التلاميذ في الممالك التي كانت معروفة لهم، وبشّروا بنجاح خارق سريع، رغم ما ذاقوا من مصاعب واضطهادات، لكنّ روح الله كان يرافقهم، ويُثبِّتُ ذلك بالعجائب، التي كانت تصير على يدهم. ذهبا ومالا ما عندي، لكن باسم يسوع قم وامش! فنجاح الكنيسة هو ثمار مساعدة ومرافقة الرّوح القدس للرسل والمبشرين، والمنشآت الإجتماعية، التي تديرها الكنيسة، من مدارس ومستشفيات وملاجئ مرضى وعجزة، الذين خلفوهم حتى اليوم.

 

أورشليم من المُدن السياحة العالمية المعروفة، يَؤُمّها ملايين البشر سنويّاً، من كل جنسيّات ولغات العالم. فبينما يسير الإنسان في شوارعها المكتضّة الضيّقة، ويسمع الحجاج يتحادثون سوية بلغاتهم الغريبة، يتمنى فعلا أن تحدث أعجوبة العنصرة من جديد، لكي يسمع السائح مَن حوله يتكلّم بلغته ويفهمه. أليس هؤلاءُ المتكلّمون جليلييّن بأجمعهم؟ فكيف يسمعهم كلٌّ منا بلغة بلده (أعمال 2: 8) اللغة هي وستبقى آلة الإتصالات والعلاقات بين البشر. اللغات كثيرة ويمكن أن يتعلّم الإنسان لغات أخرى غير لغته الأم. ولكنّه مهما أجهد نفسه في تعليم لغة غريبة، فهو لن يتملّكها، ولو تابع دراستها لسنين عديدة، كمثل من هو مولود فيها. لكن في ذلك اليوم، أعني يوم العنصرة، فما كان بالإمكان، لا تعليم اللغات ولا التكلم بغير اللغة الأم بساعة سهلا. لكن هذه الأعجوبة حدثت، فها الآلاف المؤلفة، من يهود وغير يهود، الّذين كانوا حضروا لصلاة العيد في أورشليم، تفاجأوا بأعجوبة النطلق بكل اللغات وفهمها. وإذ استغرب بعض الناس من ذلك، افتكروا أن المتكلمين بلغات جديدة سكارى ويهذون هذيانا. أمّا بطرس فتحدّى التّهمة، وطمأن السّامعين بالرد عليهم: "أيها الرّجال اليهود والساكنون في أورشليم أجمعين! ليكن هذا معلوما عندكم، واصغوا لكلامي، إنّ هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون، بل هذا ما قيل بيوئيل النبي: يقول الله إني أسكب على كلّ بشر من روحي ".

 

إنَّ الفرق كبير بين يوم العنصرة ويوم تَمَرّدَ البشر على الله في بابل، فنصُّ الرّسالة من أعمال الرّسل يُعزِي ذلك إلى حلول روح الله على الحاضرين. لذا ابتدأ كل واحدٍ يفهم اللغات الكثيرة، ويعلن إيمانه بشجاعة حواليه، بينما في بابل فما عاد النّاس يفهمون، على بعضهم، حتّى باللغة الأم التي وُلِدوا فيها. لذا فهم بدل أن يبقوا متعاونين، تشتّتوا وتفرّقوا عن بعضهم، إذ ما عاد أحد منهم يفهم ما يقوله الآخر. من هنا كما ذكرت، أهمّية اللغة المشتركة، لتفاهم الشعوب مع بعضها. كذلك حيث لا لغة مشتركة في العائلة، بين الأهل والأولاد، أو بين الزّوج وزوجته، أو بين الصّديق وصديقه، أو بين ربّ العمل وموظّفيه، فإن الحياة مُهدّدة والعلاقات البشرية تنقرض. وهذا يعني أيضا علاقة البشر مع الله مهددة، كما حدث مع عمال برج بابل ويهوى. وإن في هذه القصة لعبرة كبيرة لنا نحن البشر: منها نفهم أنّه عندما يحدث خلل في علاقة الإنسان مع خالقه، تتصدّع علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان، والعكس أيضا صحيح.

             

الكنيسة مسؤولة عن ربط علاقات البشر مع الخالق، وذلك بالصلاة ومنح الآسرار، الّتي تصالح البشر مع الخالق، كما وتجعل منهم خلائق جديدة. من هذه الوسائل الروحية الناجعة، التي تحت تصرّف الكنيسة، هي منح البالغين سرّ التثبيت، الذي هو ليس سوى يومَ عنصرة جديد في زماننا. فنقدر أن نسمّي الوقت بعد صعود يسوع، وقتَ الرّوح القدس. لذا ففي أوروبا وبعد عيد العنصرة رأساً يبدأ الأساقفة بزياراتهم الرّعوية لرعايا أبرشيّاتهم وذلك لمنح سرّ التثبيت، لآلاف الشبيبة، وتكريسِها لتصبح مسكنا للروح القدس. فنستطيع أن نقول، إن التثبيت في كلّ رعية، هو يوم عنصرة مُصغّر، وهذا لا يعني أقل أهمّية، لأنّ المفعول واحد في النفوس، التي يمتلكها الروح. ونستطيع أن نقول إنّ مفعوله مشهود له، إذ بعد التثبيت، كم وكم من الشبيبة، التي ما كانت تُظهِرُ أيَّ اهتمام خارق، للدين في حياتها اليومية، تتغيّر داخليّاً وتنخرط طوعيّاً، في أندية دينية أو اجتماعية، بحماس واقتناع، وهذا شيءٌ حسن، إذ نرى أنّ روح الله، لا يزال حيّاً وفعّالا في حياتنا وعالمنا اليوم، كما يشهد بولس: "إنّ الله لم يُعطنا روح الفشل بل روح القوّة والمحبّة والنُّصح، فلا نخجل بشهادة ربِّنا"(2 تيمو 1. 7). فَمِمّا لا شكّ فيه، هو أن هذه الشجاعة، ما دبّت في الشبيبة من شخص مُعيّن، وإنّما هي من الروح القدس، الذي حلّ عليها، إذ الرّوح يُحيي في كلِّ زمان وفي كلِّ جيل. هكذا نصلّي اليوم في مقدّمة قداس العنصرة: هو الروح الذي نراه منذ بدء الكنيسة الناشئة يُعرِّفُ جميع الشعوب بالإله الحق الحي الواحد ويجمعهم على إعلان الإيمان الواحد  في مختلف الألسنة.

 

لكن لا ننسى، أن العالم اليوم يمرّ في أزمات، يتجلّى وجهُها في اضطهادات وحروب دينيّة طاحنة، وهي أوّل ما تطال الكنيسة وأتباعها ومشاريعها، فللشيوعيّة أتباع أقسى شراسة على الكنيسة وأتباعها، كما عشناه أو نعيشه اليوم من داعش وبوكو حرام، الذين منعوا الكنيسة من استعمال كلمات الله ويسوع، فهي مذكورة في قرآنهم ولا يجوز للكنيسة استعمالهما، كأنَّ ما يسمُّونه ديانة، هو أقدم من المسيحية، علما بأنها جاءت بحوالى 640 سنة بعد المسيحية، فكلمة الله ويسوع قبل أن يحتكروها هم، قائمة في المسيحية: قبل أن يكون إبراهيم فأنا كائن!. كما وهناك الأزمة الأخلاقية التي قتلت روح التقوى والدين خاصة في الشبيبة، إذ ما عاد شيٌ مُحرّمٌ عليها ولها، حتى إنّ وصايا الله ما عاد لها قيمةٌ في حياتهم. النتيجة؟ فقد تدمّرت أساسات العائلة فجاء الطّلاق أو الزواج الحرّ والمثلي، الذي سمّاه بولس ضد الطبيعة، كما ولحق قانون تحليل الإجهاض والتّخلص من المعوّقين والمُسنين، إذ هم يُعتَبرون عالة على حكوماتهم. فلا يُستفاد منهم، فجاءت قوانين التّخلّ!ِص منهم، بدون رادع ضمير أو شعورٍ إنسانيّ.

 

الأزمة العلمانية تغلغلت أيضا في الأوساط الدينية وفي قلب الكنيسة فزعزعتها من الداخل، التكنولوجيا أبعدت الناس عن الإيمان وترفض العجائب الدّينية، درس الدّين ما عاد فعّالا، بشرح حقائق الإيمان بوضوح وتقديمها على أُصولها. حضور القداس أيام الآحاد والأعياد، ما عاد إلزاميا للكثيرين، بل لنقل ميزاجيّا، يحضرون متى ما شاؤا ويغيبون متى ما شاؤا، وفقط في مناسبات. بل كثيرون راحوا يتخلُّون عن هويتهم كمسيحيين، ويعلنون خرجوهم الرّسمي من جماعة المؤمنين، كأنهم في حزب سياسي يحق الدّخول فيه أو التخلي عن العضوية فيه، وذلك لأسباب تاقهة، منها ميزاجية، مثلا طريقة سير القداس لا تعجبهم، بل كرازة المحتفل بالقداس لا تطابق عقليتهم وتفكيرهم، فهؤلاء كانوا قد تركوا المارسات الدينية من زمان، ولا عتب عليهم. هذا ولا ننسى الأسباب المالية في أوروبا، إذ الكنيسة تأخذ ضرائب دينية من أتباعها لمشاريعها العامة، فلتوفير الضرائب الكنسية، التي يجهلون أسباب نشوئها وغاياتها، هم كيهوذا، يبيعون دينهم بثلاثين من الفضة. هذا وهناك سبب أعطتة الحرّية الصحافية مكانا مهمّا لتشويه سمعة الكنيسة، ألا وهو التعدّي الجنسي من بعض المعنيين والموظّفين في الكنيسة. فهذا صحَّ أو لم يصِح، قد خلق جوّاً عدائيا للكنيسة، كأن ما يحدث في العالم كله، هو فقط في الكنيسة ومن العاملين فيها.

 

طبعا إن أحوج ما نحتاجه اليوم، هو عيد عنصرة جديد ليُنعش الحياة الدينية الفاترة في القلوب، بل ويعيد للكنيسة قوّتها وحيويّ!تها، ويجددها من الدّاخل، مثلما قصد البابا القديس يوحنا الثالث والعشرون، حينما أعلن عن نيّته بعقد مجمع مسكوني. فوقف قدام شباك مكتبه وفتحه وقال للمنتطرين في ساحة الفاتيكان: لما فتحت الشبّاك الآن فقد دخل إلى غرفتي هواء نقي جديد، وهكذا أريد أن أفتح شباك الكنيسة وأعلن لكم عن نيتي افتتاح مجمع مسكونيٍّ جديد، حتى يدخل فيها هواء عنصرة جديد، ليُنعشها، ويملأُ الكثيرين من روحه المُحيية. فلنطلب من هذا الروح أن يسكب فيض نعمه الخلاصية علينا وعلى عالمنا الفاتر دينيا وروحيا وأخلاقيا. تعال أيها الرّوح القدس واملأنا من عطاياك الروحية لنتجدّد ونجدّد العالم. آمين