موقع أبونا abouna.org - إعلام من أجل الإنسان | يصدر عن المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن - رئيس التحرير: الأب د.رفعت بدر

نشر الجمعة، ١٠ ابريل / نيسان ٢٠٢٠

أحد الشعانين

بقلم :
الأب منويل بدر - ألمانيا
"وسيق للذبح كالحمل لم يفتح فاهه"

"وسيق للذبح كالحمل لم يفتح فاهه"

 

"وسيق للذبح كالحمل لم يفتح فاهه"

 

يا حبّذا لو تُتاح لنا المناسبة ونشاهد في بداية أسبوع الآلم، فيلما من أحسن الأفلام عن حياة يسوع، من إنتاج وإخراج أحسن منتجيّ الأفلام الإيطالية في ستّينات القرن الماضي، المخرج Pier Paolo Posolini بعنوان "يسوع". مُمَثِّلوهُ كلُّهم علمانيون. أمّا موقع التمثيل فهو الصحراء جنوب إيطاليا. في هذا الفيلم يحكي المخرج قصة حياة يسوع بحذافيرها وبأقرب ما يمكن لنص الإنجيلي متّى. الجديد بل لنقل الإيضافي عندالمُخرج ، والذي نمدحه عليه، هو أنه يُقدِّم لنا ليس يسوعا وضيعا، ولكن ثائرا إلى حدّ الغضب، للدّفاع عن الحقيقة والإنسانية، وذلك دفاعا عن كل المظلومين والمهضومة حقوقهم، في كل زمان ومكان (هذا الفيلم يدوم 135 دقيقة).

 

الأوبرات العالمية تُفتَتح بمقطوعة موسيقية مُكثّفة، يعبِّر فيها مؤلِّفوها باختصار، عن محتوى الأوبرا الكامل. اليوم، أحد الشعانين، هو مُقدَّمة الأوبرا، لما سيحدث مع يسوع في هذا الأسبوع، الآخير من حياته البشرية. أحد الشعانين هو بداية أسبوع آلام المسيح التي تنتهي لا بموته ولكن بأكبر حدث عرفه التاريخ والعالم، بعد حادث الخلق، أي بقيامته من بين الأموات. وإن الموسيقار هندل يُعبّر عنها بمقطع الموسيقى الفائق الوصف في أوبراه المسمّاة "المسيح". فبعد صمت مؤثر على موت المسيح، تُعلن كل الآلات الموسيقية برهبة وبقوة، وتضرب أوتار العازفين وطبولهم بضجّة خارقة، وتصدع الأصوات الرائعة بترنيمة الفرح هلليلويا، التي بها يُعْلِن بشكل صاخب، حادث القيامة ، فتهتز جدران القاعة ويجفل الجمهور ويرتعش كأنه كان في غفوة، فتفقع قنبلة في وسطه ويسمع زامور الإنذار. حادث موسيقاري لا يعلوعليه مقطعٌ آخر في عالم الموسيقى. هذا الحدث ذكره وتنبأ به يسوع قبل حدوثه حيث قال: هوذا نحن صاعدون إلى أورشليم وابن اليشر يُسلم هناك (مر 10: 33). نعم هذه مُقدَّمة أسبوع الآلام الذي نبدأُ الإحتفال به اليوم. ها هو يقف أمام جبل من الآلام، التي سيتحمَّلَّها كلُّها، من أجل خلاصنا بل ومصالحتنا مع أبيه. سيتحمّل آلاما جسديّة ما تحمّلها إنسان: النزاع في بستان الجسمانية، يلحقها إذلال تعريتِه من ملابسه، ثمَّ الجلدُ فالصلب. إلى جانب ذلك آلامٌ نفسية. الخيانة من صديق له، ثمّ تفضيلُ خائن سياسي عليه ، المسمّى برأبّا، وبالتّالي غضب الشعب الذي جاء ليحرره، يُغيِّر رأيه ويصرخ: إصلبه! إصلبه!

 

مَن منّا كان يفتكر بأنّ آخر حياته ستنتهي بكارثة مُذلَّةٍ كهذه، فهو عملا بإرادة أبيه، تواضع وأطاع حتّى الموت، موت الصّليب (فيلبي 2. 8).أشعيا قد وصف لنا بدقة، ما سيتحمّله، هذا الحمل، في آخر حياته "لقد جُرِح من أجل آثامنا ومعاصينا (أشع. 53: 5). يوحنا يقول: هوذا حمل الله، الذي يحمل خطايا العالم. وهذا ما عبَر عنه هو نفسه في العشاء الوداعي مع تلاميذه، حيث قال: هذا هو دمي، الذي يُراق عنكم لمغفرة الخطايا.

 

اليوم، أول بداية أسبوع الآلام، نقف متواضعين وشاكرين له، لكل ما سيتحمّله هذا الأسبوع من أجلنا. مات على الصليب من أجلنا، نعم محبّة بنا: نعم في هذا الأسبوع يختتم حياته بمحبتنا إذ تصل محبته لنا قمّتها "قد أحبَّ خاصَّته الّذين في العالم، أحبَّهم إلى المُنتهى" (يو 13: 1) "إذ هكذا أحبّ الله العالم، حتّى إنّه بذل بابنه الوحيد من أجلِنا. كل هذه الآلام سنتابعها بل لنقل سنحياها خلال احتفالاتنا الدينية طيلة هذا الأسبوع.

 

مقدّمة قداس اليوم تقول: ها قد اتت الأيام المكرّسة لآلام الرب! ألا يحق لنا أن نقول في هذه السنة، المُكرّسة لآلام الملايين، نتيجة هجوم الفايروس كرونا المُخيِّمة على أرضنا، والتي تمسك على خناق آلاف الآلاف في جميع أنحاء العالم بقبضتها. من تاريخ المسيح إلى اليوم ما عاش العالم أسبوع آلام مشابه لهذا الأسبوع. أما أرسلت مرثا الخبر إلى يسوع: إنّ الذي تحبه مريض! تُرى من يتألم بطيبة خاطر؟ من يرمي بنفسه في بؤرة ألم تنتهي بالموت. من يريد أن يرى اليوم إنسانا متألما حواليه؟ أما صرنا نرسِل المسنِّين والمتألمين إلى المستشفايات والملاجئ، كي لا نراهم كل ساعة يتلوّون ألما أمامنا؟. لقد قال أحد اللاهوتيين الكردينال يوسف ديبفنر مطران كولونيا سابقا، إلى جانب معنى الخطيئة فقد أضعنا اليوم أيضا معنى الألم... نحن ننسى أنّ عالما بدون خطيئة أو ألم غير موجود منذ سقوط أبوينا في الخطيئة. فالألم حُصّة الطبيعة البشرية، ليس كقصاص، كما يظن البعض، وإنّما كعلامةِ مشابَهَةٍ للمسيح المتألم، هو رجل الآلام. والألم هو مفتاح الخلاص. أما كان لابن البشر أن يتألم حتى يدخل مجده؟ فالألم يجعلنا شركاء للمسيح، الّذي أُرسِل للبشر ليخلِّصهم بالألم. فكلُّ أقواله وأعماله الخلاصية قد تكلّلت بالألم، بالموت على الصليب. إذ الخلاص، والأمل والحياة أتتنا من الصليب. بآلامه قد شُفينا، يقول بولس.

 

هذا الأسبوع سنرافق يسوع في أخرمرحلة من حياته، ونعيش قصة آلامه كما دوّنها لنا الإنجيليون وسنفهم منها أنّها صورة لكلّ واحدٍ منا يتألم ولكل ما يتحمّل عالمنا اليوم من آلام الإضطهاد والعذاب والحروب والسجون ولا ننسى كارثة الفايروس كورونا المخيمة فوق سمائنا وتحبس أنفاسنا خوفا من عواقبها التي نعيشها ساعة بعد ساعة. نعم آلام يسوع هي آلام العالم على أنواعها. ولكن لا ننسى أيضا، أنَّ الألم هو علامة الأمل والنصر على العنف بل ولنقل للرجوع إلى الله. وهذا كان عزاء يسوع للصِّ عن يمينه. اليوم ستكون معي في ملكوت أبي.

 

الأحد هذا يُدعى أيضا أحد الشعانين، نسبة أو تذكارا لدخول يسوع الإحتفالي الآخير إلى مدينة أورشليم، مدينة أحد أجداده المهمّين، أي الملك داؤود. لذا فهو يدخلها أيضا كملك، حيث رافقته الجماهير المعجبة به، في مظاهرة سلمية راكبا على جحش، من جبل الزيتون إلى ساحة الهيكل، وذلك حسب نبؤة النبي زكريا، التي قالت قبل 500 سنة سيأتي راكبا على جحش. التأمت الجماهير حواليه بعد إقامته لأليعازر قبل ساعات ورافقته في مشواره الآخير من جبل الزيتون، المقابله في أورشليم منظر رائع للهيكل. كمعجبين به، كانوا حاملين بأيديهم سعف النخل ومهللين بقدومه كالملوك الفاتحين: هوشعنا لابن داؤد! مبارك الآتي باسم الرب. ومتّى يذكر: ولمّا دخل يسوع أورشليم ارتجّت المدينة كلُّها قائلة من هذا (متى 21: 10)

 

في أورشليم وبالأخص في ساحة الهيكل كان مئآت الزوار من كل أنحاء المملكة قد قدموا للإحتفال بعيد التحرير من قبضة فرعون، وقد سمعوا أن رجلا اسمه يسوع قادم كالفاتح المُظفّر، وقد يكون محرِّرَ البلاد من قبضة الرّومان، إذ أورشليم كانت في تلك اللحظة مُستعمَرة من الرّومان، وكان سكانها رازحين تحت  نيرهم واضطهادهم الثقيل، وكانوا بانتظار ثائر يُحرِّرهم من أطول وأقسى استعمار. لذلك كان أكثر المشتركين، الذين رافقوه من جبل الزيتون فرحين، يرنّمون له أغاني البطولات، افتكروه القائدَ المنتظر، لكنه خيّب أمالهم حينما ترجّل امام الهيكل ورأى ما آل إليه تحت خدامه رؤوساء الكهنة، فهو ما عاد بيت صلاة بالمعنى الدّقيق، بل كانوا جعلوه سوبر ماركت بلغة اليوم. على مدخله صناديق جمع التبرعات التي كان عددها 12 نوع تبرّع، ثم صناديق بيع الخراف الفصحية والحمام للتقادم. فثار ثائره عليهم وأخذ المِطرقة وشرّدهم وقَلَبَ موائد التجارة قائلا: إن بيتي بيتُ صلاة وأنتم جعلتموه سوق تجارة. هذا المشهد حَضَرَه مئات المصلّين والزّوار، فشعر خدام الهيكل من كهنة ورؤساء كهنة وجباة، أنفسهم مهانين مذلولين، فخافوا من انقلاب الشعب عليهم، لذا وبأسرع وقت تشاوروا عليه وتمّت المؤامرة ، بحيث قرّروا التّخلُّص منه. وبِرَشْوة لأحد تلاميذه، يهوذا المحبِّ للمال مثلهم، قبضوا عليه بعد أيام وتمّ حُكْمُ رئيسهم قيافا عليه بالموت: ليقتل، إصلبه! إصلبه!

 

بقداسنا الإحتفالي اليوم نبدأ الأسبوع المقدّس، الذي فيه نسمع قصة آلام المسيح، حسب الإنجيلي متى في هذه السنة، التي فيها يخبرنا بما سنعيشه في الأيام القادمة، وفي بالنا أيضا صورة لهذه المناوشات التي جرت بين يسوع ورؤساء الشعب، التي ستصل قمتها يوم الجمعة، بصلبه على خشبة كأكبر المجرمين. أما هو بالتالي ما نطق به فمُ الجندي الرّوماني الذي فتح جنب يسوع بسيفه، فانفتحت نفسه ندما وقال: أُقرُّ أن هذا الرجل هو ابن الله. فلنرافق يسوع على طريق آلامه، حتى لا ينسانا وقد قال: وأنا إذا ارْتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع (يو 12: 32).